الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المعارضة ليست وظيفة

بواسطة azzaman

المعارضة ليست وظيفة

منتصر صباح الحسناوي

 

ينهجُ البعض نهجاً مؤداه  تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى بيئةٍ تصنع مراكز ضغط موازية للمؤسسات، للتأثير على الرأي العام وعلى القرار وأحياناً حتى على طبيعة العلاقة بين القوى السياسية نفسها.

وهي حالة يمكن تسميتها بـ»المعارضة الدائمة» ، إذ لا تبدو معارضة سياسية منظمة بقدر ما هي حالة مستمرة من الاعتراض والتشكيك والانتقاص، تُمارس يومياً كمهنة قائمة بذاتها.

المشكلة هنا لا تتعلق بحق الناس في النقد، فالنقد ضرورة لأي مجتمع، والدول لا تستقر من دون رقابة مجتمعية وإعلامية حقيقية.

لكنَّ ما نعيشه اليوم يتجاوز النقد في كثير من الأحيان إلى صناعة مزاجٍ عام قائم على الهدم المستمر، حتى أصبحت بعض الصفحات والحسابات وبعض المؤثرين يعيش على تضخيم الأزمات وإثارة الانفعالات وتحويل أيِّ حدثٍ إلى معركة مفتوحة.

بيئة متوترة

جزءٌ من هذه الظاهرة يرتبط بالمنافسة السياسية وآخر يرتبط بشبكات منظمة أو ممولة أو جماعات تسعى إلى التأثير على المشهد، بينما يتحرك جزء ثالث بدافع الشهرة أو التفاعل أو الاعتقاد بأنه يمارس دوراً إصلاحياً.

غير أنّ النتيجة النهائية غالباً واحدة: إرباك الوعي الجمعي وإضعاف الثقة وخلق بيئة متوترة تدفع الجميع إلى ردود أفعال متشنجة.

المشكلة الأعمق أن كثيراً من القوى السياسية نشأت تاريخياً داخل عقلية المعارضة أو الصراع أو الرفض، ولم تتحول إلى عقلية الدولة المستقرة التي تفكر بمنطق الإدارة والتراكم والحلول الطويلة الأمد.

ومع ضغط وسائل التواصل والانفعالات اليومية، تصبح القرارات أحياناً أسيرة ردود الفعل أكثر من كونها نتاج رؤية هادئة ومدروسة.

هنا يظهر أثر “المعارضة كوظيفة”..

فعندما يتحول الاعتراض إلى مصدر حضور أو نفوذ أو تجارة أو تأثير جماهيري، يصبح استمرار الأزمة أكثر فائدة لبعض الأطراف من حلّها، لأن الهدوء لا يصنع تفاعلاً مع المجتمع، بينما الغضب والانقسام يحققان الانتشار  والرضى الوهمي بسرعة كبيرة.

وتمتد المشكلة إلى التأثير على بنية المجتمع نفسها،  فعندما يعيش الناس يومياً داخل بيئة مشبعة بالتشكيك والانفعال والسخرية، تتآكل الثقة تدريجياً بالمؤسسات وبالأشخاص وبأي محاولة للاستقرار أو البناء.

ومع الوقت يصبح التوتر حالة اعتيادية، ويصبح الاعتدال موضع اتهام، بينما يُنظر إلى الضجيج بوصفه دليلاً على الوعي أو الشجاعة أو التأثير.

منطق الدولة لا يمكن أن يُدار بالانفعال اليومي، والدول لا تُبنى عبر موجات الغضب المتلاحقة، فما بين النقد الضروري وبين صناعة الفوضى مساحة واسعة تضيع فيها أحياناً الحقيقة والمصلحة العامة معاً.

 وما نعيشه اليوم لا يتعلق فقط بخلافات سياسية أو تنافس إعلامي، وإنما بتحول عميق في طريقة تشكيل الوعي الجمعي، إذ أصبحت بعض المنصات قادرة على دفع المجتمعات نحو التوتر الدائم، وجعل المؤسسات والقرارات وحتى العلاقات السياسية أسيرة ردود الفعل السريعة.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطيات الفتية ليس وجود المعارضة، وإنما بقاء الجميع داخل عقلية المعارضة، لأن الدولة تحتاج في النهاية إلى وعي قادر على النقد، وقادر أيضاً على الاستقرار والبناء والتفكير الهادئ، بعيداً عن الضجيج الذي يستهلك المجتمعات أكثر مما يوقظها.


مشاهدات 121
الكاتب منتصر صباح الحسناوي
أضيف 2026/05/23 - 2:01 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 2:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 21699 الكلي 15866893
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير