الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ليست الوحيدة.. حرب النفط والأزمة الوجودية

بواسطة azzaman

ليست الوحيدة.. حرب النفط والأزمة الوجودية

شاكر عبد موسى

 

عندما تقدم دولة مثل إيران على إغلاق مضيق استراتيجي محوري يعطل أنظمة الملاحة ويؤدي إلى استهداف منشآت لدول الجوار، يُخيل للوهلة الأولى أن الجغرافيا بحدودها ومضائقها وناقلاتها المتوقفة هي العامل الرئيسي في تحقيق التفرقة والتقييد. ولكن الواقع يكشف العكس تماماً, فالجيولوجيا، بخزاناتها الممتدة تحت الأرض التي تربط بين دول الخليج وإيران، تشكل في حد ذاتها واحدة من العوامل الكابحة التي تحول دون تصعيد النزاع إلى مستوى الحرب المفتوحة.

وربما يكون من غير المبالغة القول إن التناقض الظاهري بين ما يظهره السطح الجغرافي وما تستبطنه الأعماق الجيولوجية يشكل أحد المفاتيح لفهم ديناميات السلوك الخليجي في سياق الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران.

ورغم إدانات دول الخليج العربي المتكررة وتحفظاتها وتحذيراتها منذ بداية الحرب، إلا أنها التزمت الحياد نسبيًا ولم تنغمس في الصراع مباشرة. هذا الموقف لا يمكن تفسيره بمنطق الاعتبارات الأمنية فقط. فهو ينبع من عامل أكثر عمقًا وأقل ظهورًا على السطح السياسي، وهو ما يمكن وصفه بـ»الارتهان الجيولوجي».

هذا المفهوم يشير إلى الواقع المعقد الذي تخلقه خزانات النفط والغاز المشتركة، حيث تمتد هذه الموارد عبر الحدود الدولية لتربط بين دولتين أو أكثر. وبالتالي، فإن أي تأثير على جزء من هذا الخزان، سواء كان نتيجة استخراج أو تدمير، ينعكس بشكل مباشر على الأطراف الأخرى المتشاركة فيه.

هذا يجعل قرارات التصعيد العسكري محفوفة بالتبعات الاقتصادية والخسائر، ليس فقط للخصم المستهدف، بل أيضًا للطرف الذي يبادر بالتصعيد نفسه.

اليوم يتحدث الجميع عن إيران، المرشد الأعلى الراحل (علي خامنئي1939-2026)، وإسرائيل، لكن الحقيقة تبدو مختلفة تمامًا عما يُناقَش علنًا. الحرب الحقيقية تدور في مكان آخر. لتوضيح الصورة، سأطرح عليكم حدثين رئيسيين يبدو في الظاهر أنه لا علاقة بينهما، لكن إذا دققنا النظر، سنكتشف الرابط المشترك بينهما.

سقوط دكتاتور

 الحدث الأول : نفّذت الولايات المتحدة عملية في فنزويلا، أُلقي القبض فيها على الرئيس (نيكولاس مادورو). علّق العالم على سقوط «الديكتاتور» مادورو بآراء متباينة: منهم من يرى في ذلك انتصارًا، ومنهم من يحتج على مخالفة القانون الدولي. الجميع ناقش جوانب مختلفة من الحدث، لكن قلةٌ فقط طرحوا السؤال الأهم: من كان أكبر مستورد لنفط فنزويلا؟.

 الجواب: الصين. كانت فنزويلا تزوّد الصين بحوالي 800 ألف برميل يوميًا من النفط. وبعد رحيل مادورو، توقفت هذه الإمدادات.

 الحدث الثاني: شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران، أدى إلى مقتل خامنئي. وكما في فنزويلا، تنوّعت ردود الفعل بين مؤيدين لهذا التحرك ومعارضين يحتجون على انتهاك القانون الدولي.

 ولكن مرةً أخرى، لم ينتبه الكثيرون للسؤال الأهم: من كان أكبر زبون لنفط إيران؟ الجواب نفسه: الصين. كانت إيران تصدّر نحو 1.5 مليون برميل يوميًا للصين. ثم جاءت الحرب وانقطع هذا النحو أيضاً.

 مما سبق يتضح أن الرابط ليس صدفة، بل يندرج ضمن استراتيجية أكبر. وفق نظرية «راي داليو»، عندما تقترب قوة صاعدة من مستوى قوة أخرى قائمة، يصبح التصادم أمرًا لا مفر منه. هذه الديناميكية ليست جديدة على الساحة الدولية: عندما صعدت ألمانيا وهددت هيمنة بريطانيا وقعت الحرب العالمية الأولى، وعندما اقتربت اليابان من القوة الأمريكية في المحيط الهادئ انفجرت الحرب العالمية الثانية، ثم جاء الاتحاد السوفيتي ليشهد حربًا باردة طويلة مع الولايات المتحدة.

 اليوم، تواجه الولايات المتحدة صعود الصين الصناعي والاقتصادي الذي أصبحت تهيمن على 28 بالمئة من الإنتاج العالمي، وتقترب من تجاوزها لتصبح صاحبة أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2030 وفق تقديرات الخبراء.

 هذا يمثل أزمة وجودية لأمريكا, إذ يجب عليها التصدي لهذا التوسع الصيني قبل أن تفقد السيطرة نهائيًا على مواقعها الكبرى. والواضح أن الهدف الراهن للأمريكيين هو الحد من نمو الصين عن طريق تقويض أبرز نقاط نفوذها الاقتصادية.

 الصين تعتمد بشكل كبير على النفط المستورد لاستمرار آلة إنتاجها الضخمة التي تمثل ربع الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن احتياجها الكبير للطاقة يجعلها ضعيفة أمام استراتيجيات تعطل الإمدادات. الولايات المتحدة تفهم هذه النقطة جيدًا وتعمل على تعطيل خطوط إمداد النفط الأربعة التي تعتمد عليها الصين:

 1. خط فنزويلا: تم قطعه بإسقاط نظام مادورو.

2. خط إيران: توقف بسبب العقوبات والهجوم الأخير.

3. خط روسيا: مقيّد بفعل العقوبات الاقتصادية.

4. خط السعودية: يعاني من تقلّص الإنتاج بفعل الحرب والأزمات الإقليمية.

حرب النفط

 إجمالي النفط الذي خسرته الصين من مسارات فنزويلا وإيران وحدهما يصل إلى 2.3 مليون برميل يوميًا، ما يمثل حوالي 20 بالمئة من إجمالي احتياجاتها اليومية البالغة 11 مليون برميل. كل ذلك حدث في غضون شهرين فقط، بينما كان العالم منشغلًا بمراقبة ما يجري في إيران.

 لكن حرب النفط ليست المعركة الوحيدة التي تخوضها أمريكا ضد الصين؛ فهناك جبهة أخرى تتمثل في «طريق الحرير الجديد»، المشروع العملاق الذي كانت كبريات الدول الأوروبية مثل ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا تُظهر تجاوبًا معه للارتباط اقتصاديًا بالصين بشكل أكبر.

 إذا تمكنت بكين من بناء طريق تجارة قوي يربطها مباشرة بأوروبا ونقلت ثقل العلاقات التجارية إليها بدلًا من الولايات المتحدة، فإن ذلك سيمثل خسارة استراتيجية كبيرة لأمريكا، والتي ستجد نفسها في موقف أكثر ضعفًا إذا التف العالم حول الصين اقتصاديًا.

 لذلك جاء ضرب إيران كجزء من هذه الخطة؛ فهي كانت نقطة الربط المركزية في طريق الحرير الجديد، وضربها يعيق تنفيذ هذا المشروع ويعطل استقرار المنطقة التجارية الحيوية بالنسبة للصين.

 ماذا بعد ذلك؟

تبقى نقطة جوهرية واحدة: **تايوان**.

لماذا يُنظر إلى تايوان باعتبارها محورية؟ لأنها مسؤولة عن تصنيع 90 بالمئة من أكثر الشرائح الإلكترونية تطورًا في العالم. هاتفك، سيارتك، أجهزتك الحديثة بل وحتى الأسلحة المتقدمة… كلها تعتمد بشكل أو بآخر على ما تنتجه هذه الجزيرة الصغيرة. بعبارات بسيطة، من يسيطر على تايوان، يضع يده على مفاتيح تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين.

 · أمريكا تُعلن بوضوح : «سندافع عن تايوان».

· بينما الصين تُصرح بحزم : «تايوان لنا… حتى لو كان ذلك بالقوة».

هكذا، لا يبدو أن هناك مكانًا للتسوية.

 وفي ظل هذه الأجواء، تتبلور واحدة من ملامح نظرية داليو. كل تلك التحركات الدولية تُعد كأنها إعداد تدريجي لمواجهة حتمية على الساحة العالمية.

بقية المادة على موقع (الزمان)

 

 

 تخيل هذا المشهد: ملاكمَين يستعدان لخوض نزال مصيري. أحدهما يبدأ بإضعاف الآخر تدريجيًا حتى قبل الصعود إلى الحلبة:

 

·        فنزويلا :  تم تقييدها .

·        إيران   : تخضع للعقوبات.

·        روسيا  : وُضعت تحت القيود.

·        أوروبا  : أُبعدت عن مركز التأثير.

·        تايوان   : الحلبة المقبلة .

 

والتصعيد قد بدأ يقترب شيئًا فشيئًا نحو هذه النقطة المحورية.

 

لكن المسألة لا تقتصر فقط على إضعاف الصين، بل يتضمن الأمر أيضًا مصالح مباشرة لأمريكا. كل حرب تشكل فرصة لإبرام صفقات أسلحة جديدة. عندما تشتعل الأزمات في منطقة الشرق الأوسط مثلًا، ما الذي يحدث؟ دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر، تزيد من إنفاقها الدفاعي بشراء الأسلحة… والأرباح تذهب إلى أمريكا بالطبع.

 

كل انفجار يجلب صفقة، وكل أزمة تطلق عقدًا جديدًا، وكل حرب تضخ مليارات جديدة في الخزائن الأمريكية. إنها استراتيجية تنفذ بحنكة لتحقيق خمسة أهداف واضحة:

 

1. خنق مصادر الطاقة للصين.

2. تعطيل طرق تجارتها الاستراتيجية.

3. فرض السيطرة على المناطق الحساسة جغرافيًا.

4. تحقيق أرباح هائلة عبر تجارة السلاح .

5. إضعاف الصين بشكل تدريجي قبل مواجهة ملف تايوان .

 

ما يبدو للبعض كأنه سلسلة من الحروب المتفرقة هو في الواقع جزء من خطة كبرى واستراتيجية موحدة. الجبهات متعددة ولكن الحرب واحدة، والخصم الأساسي واضح: **الصين**.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاكر عبد موسى - العراق

باحث وكاتب


مشاهدات 54
الكاتب شاكر عبد موسى
أضيف 2026/04/03 - 11:48 PM
آخر تحديث 2026/04/04 - 12:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 63 الشهر 2588 الكلي 15220661
الوقت الآن
السبت 2026/4/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير