الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صدى خلوصي… شاعرة حملت الوطن في لغتين


صدى خلوصي… شاعرة حملت الوطن في لغتين

محمد علي محيي الدين

 

حين يرحل الشعراء لا تغيب أجسادهم وحدها، بل تخفت معهم أصوات كانت تمنح العالم شيئًا من جماله وشفافيته، وتترك في الذاكرة فراغًا لا تملؤه الكلمات بسهولة. وفي الثالث من أيار عام 2026، غابت الشاعرة والأكاديمية العراقية صدى صفاء الدين عبد العزيز خلوصي عن عمر ناهز الخامسة والستين، بعد رحلة طويلة من العطاء الثقافي والإنساني، رحلةٍ امتدت بين بغداد ولندن، وبين اللغة العربية والإنكليزية، وبين الوطن والاغتراب، لكنها بقيت طوالها وفية لصوتها الشعري ولجذورها العراقية العميقة.

وُلدت الراحلة في بغداد يوم الثامن والعشرين من نيسان عام 1961، في بيتٍ لم يكن عاديًا في تكوينه الثقافي والإنساني، بل كان أقرب إلى ملتقى للعلم والأدب والفكر. فهي ابنة الأديب والمؤرخ العراقي الكبير صفاء خلوصي، الذي عُرف بمكانته الأدبية الرفيعة حتى لُقّب بـ«أمير الأدب العراقي»، وهو واحد من أبرز الأسماء التي أسهمت في إثراء الدراسات الأدبية والنقدية والتراثية في العراق والعالم العربي. كما أنها ابنة الطبيبة الرائدة صبيحة الدباغ، أول طبيبة نسائية عراقية، وهي شخصية تركت أثرًا بارزًا في تاريخ الطب العراقي ودور المرأة العراقية في الحياة العامة.

في هذا البيت المفعم بالثقافة والانفتاح والوعي، تشكلت شخصية صدى خلوصي مبكرًا، فكان من الطبيعي أن تميل إلى الأدب والفن، وأن تجد في الشعر وسيلتها الأجمل للتعبير عن الذات والعالم. وقد أكملت دراستها الابتدائية والمتوسطة والثانوية في المملكة المتحدة، حيث انتقلت مع عائلتها، ثم واصلت هناك تعليمها الجامعي لتحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، في مسيرة أكاديمية جمعت بين الجدية العلمية والحس الإبداعي.

ولعل من أبرز ما ميّز تجربة الدكتورة صدى خلوصي أنها لم تعش الاغتراب بوصفه انقطاعًا عن الوطن، بل حولته إلى مساحة للتأمل والكتابة واستعادة الذاكرة. فقد ظل العراق حاضرًا في وجدانها، لا بوصفه مكانًا فحسب، بل باعتباره هويةً وحنينًا وتاريخًا شخصيًا وروحيًا. ولهذا جاءت قصائدها مشبعة بإحساس الفقد والبحث عن المعنى، ومفعمة بصور الحنين إلى بغداد وأمكنة الطفولة ووجوه الراحلين.

كتبت الشعر باللغتين العربية والإنكليزية، وتمكنت من أن تمنح كل لغة روحًا خاصة دون أن تفقد صوتها الشعري المتفرد. وقد نُشرت قصائدها المكتوبة باللغة الإنكليزية في صحف ومجلات وجامعات بريطانية، الأمر الذي أتاح لتجربتها أن تجد صداها في فضاء ثقافي أوسع، وأن تقدّم صورة عن الشاعر العراقي القادر على مخاطبة العالم بلغته الإنسانية. وكانت كتابتها تمتاز بالرقة والهدوء والتأمل، بعيدة عن الضجيج الخطابي، قريبة من نبض الإنسان وأسئلته الوجودية.

ومن بين أعمالها المطبوعة يبرز ديوان «أصداء الاغتراب» الصادر في بغداد عام 1987، وهو عنوان يكشف الكثير من ملامح تجربتها النفسية والفكرية. فالاغتراب عندها لم يكن مجرد بُعد جغرافي عن الوطن، بل حالة شعورية مركبة، يعيش فيها الإنسان ممزقًا بين ذاكرة لا تغادره وواقع يحاول التأقلم معه. وقد عالجت في قصائدها موضوعات الهوية والحنين والوحدة والزمن والحب والموت، بلغة شفافة وصور شعرية تتكئ على الإحساس العميق أكثر من الزخرفة اللفظية.

كما تركت الراحلة أعمالًا مخطوطة باللغتين العربية والإنكليزية، وكان من اللافت في تجربتها أنها لم تكتفِ بالشعر وحده، بل مزجت بين الكلمة والرسم، إذ رسمت لوحة خاصة لكل قصيدة، في محاولة لخلق حوار بين الصورة والنص، بين اللون والإيقاع، وكأنها كانت ترى أن الشعر لا يُقرأ فقط، بل يُرى أيضًا ويُحسّ. وهذه النزعة الفنية تكشف عن روح مبدعة متعددة المواهب، تبحث دائمًا عن أشكال جديدة للتعبير.

وعلى الرغم من إقامتها الطويلة في لندن، بقيت الدكتورة صدى قريبة من الأوساط الثقافية العراقية والعربية، حاضرة في الأنشطة الأدبية والحوارات الفكرية، حريصة على مواصلة إرث عائلتها العلمي والثقافي. وكانت تؤمن بأن المثقف الحقيقي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، وأن الكلمة يمكن أن تكون فعلًا إنسانيًا يواجه العزلة والقسوة والنسيان.

وقد جاء ديوانها الأخير «فؤاد ما بين النبضين» الصادر عام 2024 أشبه بخلاصة وجدانية لتجربتها الطويلة، ففيه تتجلى نبرة أكثر صفاءً وتأملًا، كأن الشاعرة كانت تنظر إلى الحياة من مسافة الحكمة، مستعيدةً محطات العمر وأوجاعه وأحلامه. وقد حمل الديوان حسًا إنسانيًا عميقًا، يلامس هشاشة الإنسان أمام الزمن، لكنه في الوقت نفسه يحتفي بالمحبة والجمال والذاكرة بوصفها ما يبقى في النهاية.

إن الحديث عن صدى خلوصي لا يقتصر على كونها شاعرة أو أكاديمية فحسب، بل لأنها تمثل نموذجًا للمرأة العراقية المثقفة التي استطاعت أن تحافظ على هويتها وإبداعها رغم الغربة وتحولات الحياة. فقد حملت العراق في قلبها، وكتبته في قصائدها، وقدّمته للآخرين عبر لغة إنسانية راقية لا تعرف الحدود.

برحيلها تخسر الثقافة العراقية صوتًا شعريًا هادئًا وعميقًا، وصاحبة تجربة إنسانية غنية جمعت بين الفكر والشعر والفن. غير أن الشعراء الحقيقيين لا يغيبون تمامًا، لأنهم يتركون شيئًا من أرواحهم في كلماتهم، ولأن القصائد التي كُتبت بصدق تبقى قادرة على الحياة، حتى بعد رحيل أصحابها بسنوات طويلة.

 

 


مشاهدات 51
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/05/13 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/05/14 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 70 الشهر 12774 الكلي 15257968
الوقت الآن
الخميس 2026/5/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير