الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنقاذ العدو.. والضرورة الاستراتيجية

بواسطة azzaman

إنقاذ العدو.. والضرورة الاستراتيجية

قتيبة آل غصيبة

 

ثمة لحظات نادرة في تاريخ العلاقات الدولية تنكشف فيها حقيقة السياسة الواقعية على نحوها الأجلى والأكثر إثارة للدهشة، وهي اللحظات التي تجد فيها الدول نفسها مدفوعة إلى إنقاذ خصومها لا إلى إسقاطهم؛ ليس رأفةً ولا مودةً بل لأن حسابات المصلحة الباردة أملت عليها أن بقاء العدو الذي يتم إضعافه أقل كلفةً وأكثر أماناً من انهياره المدوّي، وهذه اللحظة بالذات هي ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط ومحيطها الجيوسياسي في خضم المواجهة الأمريكية الإيرانية الحالية ، حين تحرّكت أطراف بعيدة وقريبة في آنٍ واحد نحو إطفاء حريق ظلّت بعضها يتمنى اشتعاله أمداً طويلاً.

فباكستان التي انبرت لتكون الوسيط الأبرز في هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة إنما تتحرك من منطلق هاجسين وجوديين متشابكين لا يمكن لإسلام آباد تجاهل أيٍّ منهما، أولهما: "الهاجس النووي؛ إذ إن انهيار الدولة الإيرانية وتشتت منظومتها النووية في بيئة فوضوية يُنشئ سابقة مرعبة في الجوار المباشر لدولة نووية  كباكستان ذاتها؛ فالسلاح النووي في يد الدولة المنضبطة مهما كانت عدائية يظل أداةً يمكن احتواؤها بالردع الدبلوماسية؛ أما السلاح النووي في فضاء الفوضى فهو تهديد من طبيعة مختلفة تماماً لا تملك إسلام آباد ترف تجاهله وهي تنظر إلى غربها القلق" ، وثانيهما: "الهاجس الطائفي والعرقي المتجذّر في البنية الداخلية الباكستانية؛ لأن انفلات الفوضى الشيعية عبر الحدود الإيرانية الباكستانية الطويلة سيُغذّي حتماً جمر التوترات المذهبية الداخلية التي تملك أوارها المتقد أصلاً في بلوشستان والمناطق القبلية؛ ومن ثم فإن الاستقرار الإيراني ولو في حدوده الدنيا ينعكس على الأمن الوطني الباكستاني مساساً مباشراً.

بالمقابل فإن الصين التي تقف خلف هذا التحرك الباكستاني وتدعمه بثقلها الدبلوماسي والاقتصادي الهائل لا تُحرّكها في هذا الملف عواطف دبلوماسية ولا مبادئ أممية؛ بل تُحرّكها معادلة باردة وصارمة يُحسنها المخططون في بكين بكفاءة عالية؛ فإيران عقدة محورية في مبادرة الحزام والطريق التي استثمرت فيها الصين رصيداً استراتيجياً ضخماً؛ وانهيار هذه العقدة يعني اضطراب ممرات الطاقة والتجارة التي تحتاجها بكين لتغذية آلتها الاقتصادية المتعطشة باستمرار إلى النفط والغاز، بيد أن الحساب الصيني لا يقف عند هذا الحد الاقتصادي؛ بل يمتد إلى أبعد منه وأعمق، لأن انتصاراً أمريكياً ساحقاً في الشرق الأوسط يُعيد ترسيخ الهيمنة الأمريكية في المنطقة ويُقلّص النفوذ الصيني المتنامي الذي رعته بكين بصبر وأناة على مدى العقدين الماضيين، ومن ثم فإن دعم الوساطة الباكستانية ليس تدخلاً في شأن إقليمي بعيد بل هو استثمار في موازين القوى الكونية.

أما المشهد الأكثر إثارةً للتأمل في هذا الحراك الدبلوماسي فهو موقف المملكة العربية السعودية ودول الخليج، إذ إنها تعيش التناقض الاستراتيجي الأعمق في هذه المعادلة برمّتها، فهي الدول التي دفعت طويلاً نحو تحجيم النفوذ الإيراني وأسهمت في تضييق الخناق الاقتصادي على طهران ورحّبت في قرارة نفسها بكل ضغط غربي أو عقوبة دولية يُنهك الآلة الإيرانية، غير أنها حين اقتربت لحظة الانهيار الفعلي أدركت بحدس الجار القديم الذي يعرف طبائع الجوار أن الفوضى في الدار الإيرانية لن تكتفي بالبقاء خلف الحدود، بل ستتسلل بألف وجه وعلى ألف صورة إلى الفضاء الخليجي المترابط معها بروابط البشر والتجارة والجغرافيا، وكذلك فالسعودية التي تبني بجهود مضنية مشروعها التنموي الطموح في رؤية 2030 وتُرسّخ بعلاقتها الدبلوماسية المتتالية صورة الدولة المحورية المستقرة؛ تعرف تماماً أن هذا المشروع يحتاج إلى بيئة إقليمية تتسم بحد أدنى من الاستقرار القابل للإدارة؛ وأن الفوضى الإيرانية الشاملة هي التهديد الأشد فتكاً لهذه البيئة مهما بدا في ظاهره أنه يُنجِزُ ما عجزت عنه عقود من المواجهة.

وفي هذا السياق يكتسب الحراك الدبلوماسي المشترك بين هذه الأطراف المتباينة التوجهات أهميةً مضاعفة، لأنه يُجسّد بصورة نادرة ما يُسميه علماء العلاقات الدولية "تقارب المصالح بين الخصوم: وهو نوع من التحالف الهش الصامت لا تجمعه وثيقة موقّعة ولا تُعلنه مؤتمرات رسمية؛ بل يتحرك في الأروقة الهادئة والاتصالات غير المُعلنة ويسعى إلى هدف واحد يلتقي عنده الجميع؛ وهو: (إيران مُكبَّلة نووياً ومُقلَّصة إقليمياً لكنها محتفظة بكيانها منزوع الاظافر ونظامها وبسلطة مركزية قادرة على ضبط أرضها وحدودها، وهذه المعادلة تخدم الجميع لأنها تُزيل التهديد دون أن تُطلق الفوضى، فهي تُريح واشنطن من الكابوس النووي الإيراني؛ وتُريح الرياض من وطأة التمدد الإيراني وتُريح؛ بكين وإسلام آباد من هواجس عدم الاستقرار الوجودي.

بيد أن ثمة مفارقة تاريخية عميقة تكتنف هذه الجهود كلها وتمنحها طعماً مراً لمن يتأملها بعين غير مستعجلة؛ وهي أن الأطراف التي تسعى اليوم إلى إنقاذ النظام الإيراني من الانهيار الكامل هي في معظمها الأطراف ذاتها التي أسهمت عبر سنوات في استنزافه وتضييق خياراته، ولعل هذا هو الوجه الأكثر صدقاً "للسياسة الواقعية" في أبهى تجلياتها وأقساها في آنٍ معاً، إذ تُعلّمنا: "أن الاستراتيجيين الحقيقيين لا يُفكّرون بمفردات الانتقام أو التشفّي بل يُفكّرون بمفردات الكلفة والعائد؛ وأن هزيمة الخصم ليست دائماً في إفنائه بل في أحيان كثيرة في إبقائه مُقيَّداً ومُحاصَراً قادراً على التنفس لكن عاجزاً عن البطش"، شأن الأسد المُكبَّل الذي يعلم صاحبه بقوته دون أن يُهدده بالافتراس.

ويبقى في نهاية المطاف، أن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة ليس رهيناً بالإجماع الإقليمي والدولي الذي تتشكّل ملامحه؛ بل هو رهين في المحل الأول بالحسابات الداخلية الأمريكية ومدى استعداد واشنطن للقبول بانتصار ناقص يُحقق الأهداف النووية والأمنية دون أن يدفع المنطقة إلى هاوية الفوضى الشاملة، وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للحكمة الاستراتيجية الأمريكية: "هل ستُدرك واشنطن في الوقت المناسب أن الانتصار الكامل قد يكون أشد كلفةً من التسوية المنقوصة؟ وهل تستطيع أن تتعلم الدرس الذي يحفظه جيرانها عن ظهر قلب؛ وهو أن البيوت الخشبية المتجاورة لا تحتمل من يُكثر إشعال النيران فيها معتقداً أنه يملك وحده سر السيطرة على ألسنة اللهب؟

والله المستعان...


مشاهدات 76
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/04/22 - 2:46 PM
آخر تحديث 2026/04/23 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 19458 الكلي 15237531
الوقت الآن
الخميس 2026/4/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير