دورُ وزارةِ الخارجيةِ في البناءِ والتنميةِ
محمد خضير الانباري
تعدَ وزارةَ الخارجيةِ منْ المؤسساتِ التي ينظرُ إليها غالبا بوصفها أكثرَ انضباطٍ وارتباطٍ بالعملِ المؤسسيِ موازنةَ بغيرها منْ الوزارات، إذْ تحاطُ بقدرٍ منْ التنظيمِ الإداريِ والدبلوماسيِ الذي يحدُ منْ مظاهرِ الفوضى والاختلالِ وفي الوقتِ نفسه، تمثلَ هذهِ الوزارةِ نقطةَ التقاءٍ لعددٍ منْ القوى والاتجاهاتِ السياسية، نظرا لطبيعةِ دورها في تمثيلِ الدولةِ خارجيا، والتعاملُ معَ ملفاتٍ حساسةٍ تتجاوزُ الإطارَ المحلي.
تتعرضَ وزارةَ الخارجيةِ العراقيةِ بينَ مدةِ وأخرى إلى حملاتٍ إعلامية، وهوَ أمرٌ يعدُ منْ مظاهرِ الديمقراطيةِ الجديدةِ في بلدنا، تتناولَ هذهِ الحملاتِ ملفاتٍ متعددةً وفقا لوجهاتِ نظرِ الكتابِ أوْ النقادِ أوْ المحللين، وغالبا ما تمتزجُ فيها الحقائقُ بمعلوماتٍ قديمةٍ أوْ غيرِ دقيقة، بلْ وقدْ تصلُ أحيانا إلى حدِ الاتهاماتِ التي يغلبُ عليها طابعُ الحسد، أوْ ناتجةٍ عنْ عدمِ الإلمامِ بطبيعةِ عملِ هذهِ الوزارةِ الحيوية. وهنا نذكرُ بقولهِ تعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا إنَ جاءكمْ فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا. .) ، الحجرات: 6.
وانطلاقا منْ ذلك، نسعى إلى تقديمِ قراءةٍ أكثرَ توازنا وموضوعية؛ لا بقصدِ الدفاعِ المطلق، فثمةَ معلوماتُ وقضايا تستوجبُ المراجعةُ وإعادةُ التقييمِ بحسبِ أهميتها، وإنما بهدفِ إيضاحِ الدورِ الحقيقيِ للوزارةِ بصورةٍ عامة، وتفسيرَ جانبٍ مما يثارُ حولها، بما يسهمُ في تكوينِ صورةٍ أدقَ وأقربَ إلى الواقع.
أولا: طبيعةُ عملِ وزارةِ الخارجية: تعدَ وزارةَ الخارجيةِ في أيِ دولةِ الواجهةِ السياديةِ التي تمثلها أمامَ العالم، إذْ تتولى إدارةَ علاقاتها الدولية، والتفاوض، وإبرامَ الاتفاقيات، فضلاً عنْ رعايةِ مصالحها السياسيةِ والاقتصاديةِ ومنْ أبرزِ مهامها متابعةَ شؤونِ الجالياتِ في الخارجِ وتلبيةِ احتياجاتها. ويتطلبَ هذا الدورِ كوادرَ مؤهلةً علميا ولغويا، وقادرةٌ على استيعابِ تعقيداتِ العملِ الدبلوماسيِ والعلاقاتِ الدولية. ولا يمكنُ موازنةَ حجمِ العملِ الدبلوماسيِ لدولةِ كالعراقِ بدولِ أصغرَ مثلٍ الكويتِ أوْ قطرَ دونَ مراعاةِ الفوارقِ الجوهرية، سواءً في عددِ السكانِ أوْ في انتشارِ الجالياتِ أوْ في حجمِ التمثيلِ الخارجي، فالعراقُ يمتلكُ جاليةً واسعةً منتشرةً في مختلفِ أنحاءِ العالمِ تقدرُ بالملايين، وليسَ بعددٍ محدود، الأمرُ الذي يفرضُ أعباءً إضافيةً على بعثاتهِ الدبلوماسيةِ ويضاعفُ منْ حجمِ مسؤولياتها.
ثانيا: الدورُ القنصليُ وخدمةُ الجاليات: يعدْ الجانبُ القنصليُ منْ أبرزِ المهامِ التي تضطلعُ بها الوزارة، إذْ يشملُ مجموعةً واسعةً منْ الخدماتِ الحيوية، منْ بينها: إصدارُ جوازاتِ السفرِ والوثائقِ الرسميةِ المختلفة، بما في ذلكَ البطاقةُ الوطنيةُ ، تنظيمَ عملياتِ التصديقِ والمعاملاتِ القانونيةِ بمختلفِ أنواعها، ومتابعةُ شؤونِ الجاليةِ العراقيةِ في الخارجِ ومعالجةِ قضاياها.
ولا يقتصرُ تقديمَ هذهِ الخدماتِ على إجراءاتٍ بسيطة، بلْ يشكلُ منظومةً متكاملةً تتطلبُ كوادرَ بشريةً مؤهلةً ومتنوعةً التخصصات، تشملَ الجوانبُ القانونيةُ والفنيةُ والسياسية، لا سيما في ظلِ تزايدِ الطلبِ على الوثائقِ الرسميةِ والخدماتِ القنصلية.
ثالثا: البعدُ الاقتصاديُ للوزارة: لا يقتصرُ دورَ وزارةِ الخارجيةِ على الجوانبِ السياسيةِ فحسب، بلْ يمتدُ ليشملَ دعمَ الاقتصادِ الوطنيِ منْ خلالِ عدةِ مسارات، منها جذبِ الاستثماراتِ الأجنبية، وتسهيلَ عملِ الشركاتِ الدولية، وتعزيزَ العلاقاتِ الاقتصاديةِ الثنائيةِ معَ مختلفِ الدولِ، كما تسهمُ الوزارةُ في رفدِ خزينة الدولةِ عبرَ الإيراداتِ الناتجةِ عنْ الرسومِ القنصليةِ وخدماتِ التصديق، خاصةً في البلدانِ التي تضمُ جالياتٍ عراقيةً كبيرةً أوْ تشهدُ نشاطا اقتصاديا مرتبطا بالعراق. وفي فتراتٍ سابقة، تمكنتْ بعضَ البعثاتِ الدبلوماسيةِ منْ تغطيةِ جزءٍ منْ نفقاتها، بلْ والمساهمةِ في تحقيقِ إيراداتٍ إضافيةٍ للدولة.
رابعا: عددُ الموظفينَ وحجمِ العمل: رغمَ ما يثارُ أحيانا، فإنَ عددَ منتسبي وزارةِ الخارجيةِ يعدْ منخفضا نسبيا موازنةً بمؤسساتٍ حكوميةٍ أخرى، لا سيما عندَ النظرِ إلى حجمِ المسؤولياتِ والمهامِ الموكلةِ إليها ومنْ هنا، تبرزَ تساؤلاتٍ مشروعةً بشأنَ أعدادِ العاملينَ في مؤسساتٍ أخرى، مثلَ السلطةَ التشريعية، أوْ بعضِ مفاصلِ السلطةِ التنفيذية، ومدى تناسبِ تلكَ الأعدادِ معَ طبيعةِ العملِ فيها. وبحسبَ التقديرات، لا يتجاوزُ عددُ منتسبي وزارةِ الخارجية، بما يشملُ مركزَ الوزارةِ وبعثاتها في الخارج، بضعةُ آلافٍ فقط.
خامسا: التعييناتُ بينَ الواقعِ والانطباع: يعدْ التعيينُ في وزارةِ الخارجيةِ ، حلما يسعى إليهِ كثيرٌ منْ الشباب، لما يتيحهُ منْ فرصٍ لتمثيلِ الدولةِ والعملِ في الساحةِ الدوليةِ، وقدْ شهدتْ الوزارةُ في السنواتِ الأخيرةِ انضمامَ كوادرَ جديدةٍ مؤهلةٍ أكاديميا، تمتلكَ مهاراتٍ لغويةً وتخصصاتٍ تتناسبُ معَ متطلباتِ العملِ الدبلوماسي، ورغمُ وجودِ بعضِ حالاتِ المحسوبية- كما هوَ الحال- في عددٍ منْ مؤسساتِ الدولة، إلا أنَ تعميمَ هذهِ الظاهرةِ على الوزارةِ بأكملها لا يعكسُ الواقعُ بدقة، كما أنَ الرغبةَ في الالتحاقِ بالسلكِ الدبلوماسيِ ليستْ حكرا على العراق، بلْ هيَ طموحٌ شائعٌ في العديدِ منْ دولِ العالم، حيثُ ينظرُ إلى العملِ الدبلوماسيِ باعتبارهِ مجالاً مرموقا يجذبُ الخريجينَ الجددَ الطامحينَ للمشاركةِ في الشأنِ الدولي.
سادسا: البعدُ السياسيُ والإعلامي: لا يمكنُ تجاهل أنَ بعضَ الحملاتِ الإعلاميةِ قدْ تكونُ ذاتَ أبعادٍ سياسية- خصوصا- في ظلِ التنافسِ بينَ القوى المختلفة، وهوَ ما قدْ ينعكسُ أحيانا على طريقةِ تقييمِ أداءِ بعضِ المؤسسات، ومنها وزارةُ الخارجيةِ.
إنَ الحكمَ على أيِ مؤسسةٍ حكوميةٍ ينبغي أنْ يستندَ إلى فهمٍ دقيقٍ لطبيعةِ عملها وحجمُ مسؤولياتها، بعيدا عنْ التعميماتِ أوْ الانطباعاتِ السطحية. فوزارةُ الخارجية، رغمَ ما تواجههُ منْ تحديات، تظلّ مؤسسةٌ مهمةٌ تؤدي أدوارا أساسيةً في خدمةِ الدولةِ والمواطن، سواءً على الصعيدِ السياسيِ أوْ القنصليِ أوْ الاقتصادي. وفي النهاية، يبقى الاعتقادُ بأنَ الأرزاقَ بيدِ الله، وأنَ الحسدَ ظاهرةً إنسانيةً قديمةً موجودةً عبرَ التاريخ. كما في قولهِ تعالى: ( ومنْ شرِ حاسدٍ إذا حسد) الفلق: 5.