حين يضيع الإنسان في نفسه… قراءة في مأساة الوعي المؤجّل
نهاد الزركاني
ليست المأساة أن يجهل الإنسان،
بل أن يظنّ أنه يعرف.هناك منطقة خفية في الوعي، لا هي جهلٌ صريح، ولا معرفةٌ حقيقية،
بل حالة من الاكتفاء الوهمي…
حيث يتوقف الإنسان عن السؤال،
لا لأنه وصل، بل لأنه تعب من الطريق. في هذه المنطقة،
تبدأ ((أخطر أشكال الضياع))
نحن لا نخسر أنفسنا فجأة،
بل بالتدريج…حين نؤجل الأسئلة التي تُقلقنا،ونستبدلها بإجابات مريحة،تشبه المسكنات أكثر مما تشبه الحقيقة، ،،،،،،
العقل لا (يشيخ حين يكبر)
بل حين يتوقف عن الدهشة.
والإنسان لا ينطفئ حين يُهزم،
بل حين يقتنع أن لا جدوى من الفهم. كم من (فكرةٍ ورثناها…
لا لأننا اقتنعنا بها)بل (لأننا لم نمتلك شجاعة تفكيكها)
وكم من قناعةٍ دافعنا عنها…
لا لأنها صحيحة، بل لأنها منحتنا (شعورًا مؤقتًا بالثبات)
نحن، في كثير من الأحيان،
لا نبحث عن الحقيقة،بل عن الطمأنينة.لكن الطمأنينة التي لا تمرّ عبر القلق…ليست طمأنينة،
بل غفوة طويلة.(الثقافة) ليست تكديس معلومات ولا استعراض مفاهيم بل هي القدرة على أن ترى ما خلف ما تراه، أن تشكّ فيما يبدو بديهيًا،
وأن تعيد طرح السؤال… حتى لو ظن الجميع أنه أُجيب عنه.
الثقافة الحقيقية لا تجعلك أكثر (يقينًا)،بل أكثر وعيًا بحدود يقينك..........
ولهذا، كلما ازداد الإنسان ثقافة،
ازداد تواضعًا أمام المجهول،
وأكثر حذرًا من الأحكام السريعة،
وأقلّ قابلية لأن يكون نسخة مكررة من غيره.المشكلة ليست في الخطأ بل في الإصرار عليه بدافع الألفة.
وليست في الجهل،بل في رفض التعلّم.هناك لحظة حاسمة في حياة كل إنسان، لحظة يكتشف فيها أن ما كان يظنه (نفسه)…
لم يكن إلا تراكمًا لما قيل له.
في تلك اللحظة،إما أن يبدأ ((رحلته نحو ذاته،أو يعود مسرعًا إلى القطيع))…
حيث لا أسئلة تُقلق،ولا أفكار تُربك.الوعي ليس طريقًا مريحًا،
لكنه الطريق الوحيد الذي يجعلك… (أنت).
والمعرفة ليست ما تحفظه،
بل ما يُغيّرك. أما الحقيقة،فليست ما يُقال لك،بل ما تصمد أمامه…
حتى بعد أن تفقد كل ما اعتدت أن تعتمد عليه.