الإنسداد والإنقاذ.. فرصة أخيرة لبناء الدولة
مجيد الكفائي
يمر العراق بمرحلة تاريخية حرجة تختصر سنوات من التراكمات السياسية والاقتصادية في مشهد انسداد واضح
تأخر في انتخاب رئيس الجمهورية تعثر في تشكيل الحكومة وانقسام ينعكس مباشرة على حياة المواطن .
غير أن خطورة الأزمة لا تكمن في الخلاف بحد ذاته بل في تحوّله إلى شلل دائم يهدد فكرة الدولة ومؤسساتها .
ومن هنا فإن انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة لا يمثلان مجرد استحقاقين دستوريين بل نقطة انطلاق لإعادة انتظام الحياة العامة .
فاستمرار الفراغ يبعث برسالة عجز إلى الداخل والخارج ما يجعل الاتفاق السياسي الواضح والمحدد زمنيا ضرورة ملحّة شرط أن يفضي إلى حكومة ببرنامج طوارئ واقعي لا إلى إعادة إنتاج المحاصصة بأسماء جديدة .
ومع ذلك فإن استكمال الاستحقاقات الدستورية لا يكفي وحده لأن جذور الأزمة أعمق من خلاف على المناصب .
فالاقتصاد ما يزال هشا يعتمد بصورة شبه كلية على النفط فيما تعاني الإدارة المالية من الهدر والفساد .
لذلك تبرز الحاجة إلى إجراءات عاجلة تثبّت الاستقرار المالي وتضبط المنافذ وتعالج الرواتب الوهمية وتطلق مشاريع تشغيل سريعة للشباب بما يعيد تحريك عجلة الاقتصاد ويستعيد جزءا من الثقة المفقودة .
وفي السياق ذاته لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح من دون مواجهة جدية للفساد الذي تحول من ظاهرة إلى شعور عام بالإفلات من العقاب .
لذا يصبح تفعيل القضاء في الملفات الكبرى وإعلان الذمم المالية لكبار المسؤولين وتسريع رقمنة الخدمات خطوات ضرورية لتعزيز الشفافية واستعادة ثقة المواطن .
مؤسسة عسكرية
فمكافحة الفساد لم تعد شعارا سياسيا او اعلاميا بل شرطا اساسيا لبقاء الدولة .
وإذا كان الإصلاح المالي والإداري ضرورة فإن استعادة هيبة الدولة تبقى الأساس الذي يستند إليه أي استقرار مستدام .
حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز مهنية المؤسسة العسكرية وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء تمثل ركائز لا غنى عنها . فالدولة القوية ليست القامعة بل العادلة التي تساوي بين مواطنيها .
وعلى المدى المتوسط يتضح أن تكرار الأزمات عند كل استحقاق انتخابي يكشف خللا بنيويا في النظام السياسي نفسه .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة آليات تشكيل الحكومات وتقليل التشظي الحزبي ووضع مدد زمنية صارمة للاستحقاقات وتعزيز مفهوم الأغلبية والمعارضة بديلا عن التوافق الشامل بما يرسخ مبدأ المسؤولية والمساءلة .
في المحصلة العراق بلد غني بموارده وطاقاته البشرية وشبابه قادرون على البناء إذا توفرت بيئة عادلة ومنتجة .
وتبدأ استعادة الثقة بخدمات ملموسة وخطاب وطني جامع وإحساس حقيقي بالمساواة أمام القانون .
واللحظة الراهنة رغم صعوبتها قد تكون نقطة تحول فإما استمرار الدوران في حلقة الانسداد أو الشروع في إصلاح حقيقي يعيد للدولة هيبتها وللمواطن ثقته .
إنه قرار سياسي في ظـــــــــاهره لكنه في جوهره قرار يتعلق بمستقبل وطن بأكمله .