سر العيون الدامعة
فراس عبد الحسين
في قلب بلاد الرافدين، حيث تصدح الأساطير من كل حجر، ترتفع الزقورات كشواهد صامتة على حضارة سومر. الدكتور فريد، الأكاديمي المتخصص في تاريخ الحضارة السومرية، لم يكن يرى في هذه الأبنية مجرد معابد مهجورة، بل كيانات حية تتنفس التاريخ. أمضى فريد سنواته منحنياً على ألواح الطين المسمارية، مؤمناً بأن ضخامة هذه الهياكل تتجاوز وظيفتها كدرجات للعبادة، وأن في لبناتها طاقة خفية.
في مختبره المتواضع، توصّل إلى نظريته الجريئة: الزقورات هي محطات لتجميع نوع من الطاقة الكهرومغناطيسية الكونية، أطلق عليها "نور السماء". عثر في إحدى الألواح النادرة على إشارات لـ "تيارات تهبط على الجبال المقدسة"، ووصف لـقوة عظيمة تتدفق في قلب المعبد. قام ببناء نموذج دقيق لزقورة أور، وعند تفعيله بترددات صوتية مستخلصة من الأناشيد السومرية القديمة، لاحظ وميضاً أزرق خافتاً على قمته. كان هذا الوميض دليلاً مادياً على أن أجداده امتلكوا معرفة تفوق التصور.
أدرك أنه اكتشف سراً عظيماً يغير فهم العالم للتاريخ. قرر التكتم على اكتشافه، لكنه لم يعلم أن صوته كان مسموعاً. منظمة "حراس التراث"، وهي جماعة سرية متشددة تؤمن بأن هذه المعرفة يجب أن تبقى حكراً على نخبة محددة، كانت تراقبه.
في ليلة عاصفة، بينما كان يراجع آخر مخطوطاته، تحوّل صوت حفيف المطر إلى دوي تحطم زجاج. أدرك في لحظة أنهم ليسوا لصوصاً عاديين. في لمح البصر، دسّ إناءً فخارياً صغيراً ونادراً يحمل مفتاح التفعيل في حفرة سرية تحت ألواح مكتبه، قبل أن يقتحم الغرفة رجلان ضخمان. تلقى ضربة قاسية أفقدته الوعي، وآخر ما سمعه هو صوت تحطم نموذجه الثمين الذي يمثل سنوات من العمل.
استيقظ في سرير المستشفى. كان جسده موهوناً وغضبه بارداً. لم يجد هاتفه أو محفظته، لكن قطعة الورق التي تحمل مفتاح مخبأ الإناء الفخاري كانت في قبضته. شعر أن الأمر تجاوز السرقة؛ إنه صراع على مصير التاريخ. تخلص من إبرة المغذي وتسلل من غرفته نحو ظلمة شوارع بغداد.
وصل إلى مخبئه. استخرج الإناء الفخاري الذي كان يبدو كقطعة مهملة، وأمضى الليل منحنياً عليه. لم تكن الرموز المسمارية داخله تروي قصة، بل كانت خريطة طاقة، ترنيمة تصف إيقاعاً كونياً. والأهم، التعليمات المرفقة: "عند اكتمال القمر في اليوم الرابع من شهر تشرين، يجب أن تُقرأ هذه الكلمات بصوت يتناغم مع الروح القديمة، صوت امرأة تحمل جينات سومرية نقية".
أدرك فريد أن تحديه الأكبر هو العثور على تلك المرأة. تذكر الدكتورة لمى، زميلته في قسم الجينات البشرية. كانت عقلانية بامتياز، بعيدة كل البعد عن الخرافات، لكنها كانت تشاركه شغفه الغريب بالتاريخ. كان إقناعها مهمة مستحيلة، لكن الإناء الفخاري دليلاً لا يقبل الشك.
في لقائهما، أوجز فريد اكتشافه، وشرح تفاصيل الإناء، ثم قال بهدوء: لمى، الأمر يتجاوز الفيزياء. ألا ترغبين في معرفة ما إذا كانت الجينات السومرية القديمة لا تزال تتحدث في دمائنا؟ شغفه كان معدياً، وفضولها العلمي أقوى من تشكيكها. وافقت على إجراء الفحص الجيني سراً.
بعد أيام، عادت لمى إليه، بعينين متسعتين وفم بالكاد ينطق: هذا جنون، يا فريد. هناك تطابق جزئي غير مسبوق مع التسلسلات الجينية التي عثرنا عليها في عينات المقابر السومرية. إنه تطابق فريد. شعر بنشوة الانتصار. لقد أثبت العلم ما كان يُعتقد أنه أسطورة، ورحلتهما إلى أور لم تعد مجرد مغامرة، بل واجب.
كانت ليلة مقمرة، والقمر بدراً كاملاً يضيء زقورة أور بضوء فضي مهيب. صعد فريد ولمى درجات الهيكل المدرج في صمت، كل خطوة تثقل بألف عام من التاريخ. عند القمة، سلّمها الإناء الفخاري.
أغلقت عينيها، وبدأت بالهمس. كان صوتها في البداية خجولاً، لكنه سرعان ما اكتسب قوة وعمقاً خارقاً، وكأنه صدى قادم من أعماق بابل القديمة. كانت الأجهزة العلمية التي يحملونها تصدر أصواتاً غريبة، وكأنها تكافح لفك شفرة هذا الإيقاع القديم.
فجأة، بدأت الفتحات المربعة الصغيرة على جوانب البناء الهائل، والتي تُعرف شعبياً بـ "العيون الدامعة"، تضيء بوميض أزرق خافت. توهج الضوء بشكل أقوى، ثم بدأت جميعها بالوميض في انسجام تام مع إيقاع صوت لمى. تجمعت الأضواء لتشكل شبكة معقدة وراقصة فوق القمة.
نظرت إلى فريد، وعيناها تلمعان بالدموع. لم تكن دموع حزن، بل دموع ذهول وفهم عميق. لم تعد ترى نفسها عالمة جينات، بل وعاءً لشيء أعظم.
في تلك اللحظة، انطلق شعاع هائل من الضوء الأزرق من قمة الهيكل، مخترقاً سكون الليل. لم يكن ضوءاً عادياً، بل يتألف من ملايين الرموز المسمارية التي تتراقص، وكأن حكاية كاملة تُكتب في السماء. أدرك أن الطاقة ليست مجرد كهرومغناطيسية، بل هي ذاكرة الحضارة.
ثم انحنى رأس لمى إلى الوراء فجأة، وتوسعت عيناها بذهول. لم يخرج من فمها صوت بشري، بل صرخة مدوية هادرة، وكأنها رعد قادم من أعماق السماء. تبعتها كلمات واضحة، ليست بلغة عرفها فريد، لكنها تحمل سلطة وقوة: "لقد حان الوقت... استيقظوا".
أدرك فريد في تلك اللحظة أنهما لم يوقظا طاقة فحسب، بل أيقظا كياناً قديماً اختار لمى لتكون صوته. حراس التراث لا يريدون منع الطاقة، بل يريدون السيطرة على "الذاكرة" التي تحملها. نظر فريد إلى لمى، التي كانت عيناها تلمعان الآن بنور المعرفة الأزلية، ويومئ لها. لقد كشفا السر، لكن صراعهما بدأ لتوه ضد أولئك الذين يريدون احتكار الحقيقة.