الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أمجد توفيق.. نهر السرد الذي لا ينضب


أمجد توفيق.. نهر السرد الذي لا ينضب

محمد علي محيي الدين

 

في مشهد الثقافة العراقية والعربية، يقف اسم أمجد توفيق شامخًا كقمةٍ جبليةٍ طالما أنجبت المعاني واحتضنت السرد كحلمٍ متصلٍ بالروح والذاكرة. هو الكاتب والقاص والروائي الذي لم يكن الأدب عنده مهنةً أو ترفًا، بل قدَرًا يعيشه بكل جوارحه، حتى صار قلمه امتدادًا لأنفاسه، وصار حضوره علامةً من علامات الإبداع العراقي الحديث.

وُلد أمجد توفيق وفي داخله ميلٌ فطريٌّ إلى الحكاية، وها هو بعد عقودٍ من الكتابة المتواصلة، يحمل في جعبته إرثًا أدبيًا واسعًا، يشهد له النقاد والقراء على السواء. حصل على شهادة البكالوريوس في الإعلام، غير أن الإعلام لم يحتوِه تمامًا، فقد وجد في الأدب فضاءه الرحب، وفي السرد بوابةَ الخلود.

بلغت قمة عطائه في رواياته التي شكّلت منعطفًا لافتًا في مسار الرواية العراقية، إذ جمعت بين الفلسفة والرمز والجمال الفني، فأثارت اهتمام النقاد، وأشعلت في القارئ شغف البحث في المعنى. ومن تلك الأعمال تَشكّل رصيدٌ إبداعيٌّ وارفٌ يليق بكاتبٍ كبيرٍ آمن بأن الكلمة هي الوطن الذي لا يُحتل.

لم يكن أمجد توفيق مجرد روائيٍّ متفرّد، بل رجل ثقافةٍ وإعلامٍ أسهم في بناء المشهد الثقافي والإعلامي عبر أدواره العديدة، فقد شغل مناصب رفيعة: مدير الثقافة الجماهيرية في بغداد، رئيس تحرير مجلات الطليعة الأدبية وفنون وقطوف، ورئيس سلسلة القصة والرواية والمسرحية في وزارة الثقافة، كما تولّى إدارة الأخبار والبرامج السياسية في قناة البغدادية، ثمّ أصبح المدير العام لقناة الرشيد الفضائية، ومديرًا عامًا لمؤسسة الوسيط الإعلامية.

عضوياته الممتدة في اتحاد الأدباء والكتاب، واتحاد الكتاب العرب، ونقابة الصحفيين العراقيين، ومنظمة الصحافة العالمية، كانت شاهدةً على حضوره الفاعل في الساحة الثقافية والفكرية.

أما على صعيد الإبداع الأدبي، فقد أغنى المكتبة العربية بعناوين لامعةٍ ومتنوعةٍ بين القصة والرواية والنقد، منها: الثلج.. الثلج (1974)، الجبل الأبيض (1977)، قلعة تارا (2000)، برج المطر، طفولة جبل، الطيور الحرة، الظلال الطويلة، الساخر العظيم، والخطأ الذهبي. هذه الأعمال ليست مجرد نصوصٍ سردية، بل رحلات فكريةٌ وجمالية تكشف عن روحٍ قلقةٍ تبحث في الإنسان وتاريخ الوجع والجمال.

ولم يكتفِ بالسرد، بل خاض غمار النقد، فكتب نحل القلم، عسل الثقافة، وشارك في إعداد كتاب القصة مع لطفية الدليمي، كما صدرت حول تجربته كتبٌ نقديةٌ عديدة أبرزها: أمجد توفيق نهر بين قرنين وتحولات أمجد توفيق في الخطأ الذهبي، وللنار ظل المعنى.

 

ترجمت أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، وحُوّلت بعض رواياته إلى أفلامٍ وتمثيليات، تأكيدًا على طاقتها السردية ورؤيتها البصرية العميقة.

نال أمجد توفيق جائزة الدولة لأفضل رواية عراقية، وجائزة العنقاء الذهبية الدولية، ودرع الجواهري للإبداع عن روايته الساخر العظيم، إضافة إلى جائزة أفضل إعلامي عراقي، وقلادة الصحافة، وعشرات الدروع والشهادات التقديرية، كما رُشّح لتمثيل العراق في جائزة اليونسكو، تقديرًا لعطائه الأدبي والثقافي المستمر.

يقول عنه الأستاذ حامد شهاب في موقع كتابات: "أن تكتب عن سيرة الكاتب والروائي والصحفي القدير الأستاذ أمجد توفيق، فأنت أمام بحور ينبغي أن تجوب سفنك فيها، لتغترف من دررها وجواهرها ما يليق بمكانته الفكرية والإنسانية، فهو المثقف والفيلسوف والحكيم، الذي منح الرواية العراقية نهرًا يتدفق بالحياة والجمال والمعنى."

وهكذا يبدو أمجد توفيق في عيون من عرفوه وقرأوه: نهرًا من الفكر والجمال، لا يتوقف عن الجريان، ولا يملّ من البحث عن ضفافٍ جديدةٍ للكلمة. هو أحد أولئك القلائل الذين جعلوا من الأدب رسالةً ومن الكتابة وجودًا، فخلّدوهما معًا في سفرٍ مفتوحٍ على الأبد.

 

 


مشاهدات 38
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/17 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/02/18 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 47 الشهر 13653 الكلي 13945297
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير