الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مفتاح الحكمة


مفتاح الحكمة

فراس عبد الحسين

 

ذهبتُ في زيارة إلى دار الحكمة في بغداد، لأنني أعشق القراءة والبحث عن التاريخ والعلوم، وخاصة الحضارة الإسلامية العريقة التي لطالما فتنتني. حلمتُ كثيرًا بزيارة بغداد، مدينة السلام الأسطورية، التي كانت في زمنها مركزًا للعلم والفن والثقافة، منارةً تضيء العالم.

كنتُ أقرأ بنهم عن دار الحكمة، تلك المؤسسة العظيمة التي أسسها الخليفة المأمون بعبقرية لجمع وترجمة ونشر كنوز المعرفة من كتب العلماء من مختلف اللغات والديانات والثقافات. أتخيل كيف كان شكلها في الماضي، كيف كانت واجهاتها الرخامية تشع علماً، وما يدور فيها من نقاشات حادة وابتكارات جريئة واكتشافات تغير مجرى التاريخ، لم تكن مجرد مكتبة بل كانت أكاديمية نابضة بالحياة والفكر. هذا الحلم الذي راودني طويلاً، بات وشيكاً، كأنني على أعتاب تحقيق رؤيا قديمة.

على مدار الرحلة، كانت حماستي تزداد لرؤية المكتبة الضخمة، والمعرض الذي يضم مقتنيات نادرة، والورش التي يصدح منها صوت الإبداع، والندوات الفكرية التي تقام هناك وتجذب العقول النيرة. وعندما وصلت أخيرًا، تجولت في أروقتها الفسيحة، حيث كل ركن يهمس بحكاية، مستمتعاً برؤية كتب نادرة مخطوطة بخطوط أنيقة، وأدوات علمية قديمة تشهد على براعة الأوائل، ولوحات فنية رائعة تحكي قصصًا من عمق التاريخ.

وصلت إلى قسم يدعى "البوابة"، غرفة مظلمة بشكل لافت للانتباه، تحتوي على شاشات ضخمة تعرض صورًا وفيديوهات تحكي عن دار الحكمة في عصر المأمون الذهبي.

دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفي، فانقطع عني ضجيج العالم الخارجي، واستسلمت لتجربة غامرة، كأنني أغوص في بحر من الزمن. بدأت أتابع العروض بإعجاب لا يوصف، أستمع إلى التعليقات الصوتية التي تروي قصصًا عن حياة العلماء والفلاسفة والشعراء الذين عاشوا وابتكروا في دار الحكمة، حكايات عن شغفهم بالمعرفة الذي تجاوز الحدود، وعن ليالي السهر الطويلة التي قضوها في طلب العلم، وعن تضحياتهم في سبيل تنوير البشرية. كل قصة كانت تشدني أكثر إلى هذا العالم الساحر، وتزيد من رغبتي في اكتشاف المزيد.

فجأة، سمعت صوتًا غريبًا ينبعث من إحدى الشاشات، صوتًا مشوشًا، أشبه بوشوشة قادمة من بعيد، ينادي باسمي بوضوح: فؤاد، تعال إلى هنا. اندهشت من سماع اسمي، فكيف يمكن لآلة أن تعرف اسمي؟ قلبي قفز في صدري، كأنه طائر محبوس أراد أن يتحرر، شعرت برعشة غريبة تسري في عروقي، فتقدمت نحو الشاشة بخوف ممزوج بفضول شديد لأفهم ما تقول.

لكن بدلاً من ذلك، شعرت بقوة غريبة، كأنها مغناطيس خفي لا يُرى، تجذبني إلى داخل الشاشة. حاولت المقاومة بكل ما أوتيت من قوة، أشد على قدمي، لكن الجذب كان قويًا للغاية، لا يمكن مقاومته، كأنني أسحب إلى تيار جارف لا أملك له رداً.

بعد لحظات، اختفيت من الغرفة تمامًا، كما يختفي دخان في الهواء، أو حلم عند الاستيقاظ، ووجدت نفسي في مكان آخر، عالم مختلف تمامًا لم أتخيله قط، عالم ينبض بالحياة، لكنه غريب عن كل ما أعرفه، كأنني ولدت من جديد في مكان وزمان آخرين.

لم أدرك ما حدث في البداية، ظننت أنني أحلم حلماً غريباً أو أنني أتخيل المشهد من شدة الإرهاق، أو ربما ما زلت في قاعة العرض التفاعلي بدار الحكمة الحديثة، وأن هذا جزء من العرض. لكن الدفء، الأصوات، الروائح.. كلها كانت حقيقية بشكل لا يدع مجالاً للشك. سرعان ما اكتشفت أنني في واقع حقيقي، واقع غريب ومفاجئ، فقد انتقلت إلى زمن مختلف تمامًا.

حولي تمتد شوارع بغداد العباسية، تعبق بعطر الماضي الممزوج برائحة التراب الرطب. وسط هذه الدروب العتيقة، مزدحمة بناس يرتدون ملابس غريبة لم أرها من قبل، تعود لقرون مضت، تذكرني برسومات الكتب التاريخية، وأصوات غير مألوفة من حوارات ونقاشات، وأناشيد دينية، وأذان يصدح في الأفق، تفوح رائحة البخور العتيقة، وروائح طعام متنوعة لم تكن لتجدها في زماني، وعبير ورود يملأ المكان بنسيم عليل، يتخلله أحياناً بخار الحمامات المنتشرة في كل مكان.

كل حواسي استقبلت هذا العالم الجديد بتناقض بين الذهول والسحر. عالمٌ حقيقي يلفني بكل تفاصيله المدهشة، من صخب السوق إلى همسات البيوت الطينية، وكان عليّ أن أستوعب أنني هنا حقاً، في قلب التاريخ.

شعرت بمزيج من الدهشة المطلقة والخوف العميق في آنٍ واحد. لم أعرف ماذا أفعل أو إلى أين أتجه في هذا العالم الجديد الذي لا أفهمه، كل زاوية فيه كانت تحمل سؤالاً جديداً لا أستطيع الإجابة عليه. وقفت مذهولاً في أحد تقاطعات الطرق المزدحمة بالناس والعربات التي تجرها الحمير والبغال. كأنني تمثال من الفضول والخوف، لا أستطيع الحراك، ثم رأيت رجلاً يقترب مني ببطء وهدوء.

رجلًا مسنًا يرتدي عباءة سوداء أنيقة وعمامة بيضاء ناصعة، يحمل عصًا في يده يتكئ عليها، ولحيته طويلة بيضاء تغطي معظم وجهه، وعيناه تبدوان حكيمتين، تحملان بريقاً من المعرفة، كأنهما تريان أبعد مما يمكن للعين المجردة أن ترى، تخترقان الزمن نفسه.

ابتسم وقال بترحيب: أهلًا بك في دار الحكمة، يا فؤاد. تملكتني الدهشة، فكيف عرف اسمي؟ هل هذا مجرد صدفة؟ أجابني بهدوء وثقة: أنا الخوارزمي، أحد علماء دار الحكمة الكبار. وقد جاء بك إلى هنا جهاز اخترعته للسفر عبر الزمن، أطلقت عليه اسم "البوابة" لما له من قدرة على فتح الأبعاد بين الأزمنة. أنت في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، في عام 218 هجري.

لم أصدق ما سمعتُه. الخوارزمي! العالم الأسطوري الذي درستُ عنه في كتب التاريخ والرياضيات، يقف أمامي الآن، يتحدث إليّ! عقلي كان يرفض تصديق هذا الواقع الخارق. تمتمتُ اسمه بدهشة لا تُصدق، وكأنني أرى أسطورة حية أمامي، شخصية قرأت عنها في صفحات التاريخ تتحول إلى واقع.

سألته، وقلبي لا يزال يخفق بعنف، عن كتابه الشهير، "كتاب الجبر" ابتسم بفخر. ثم قلت إنني جئت من زمان بعيد جداً. عيناه اتسعتا ذهولاً عندما أخبرته إنني من القرن الحادي والعشرين، فذلك يعني أن جهازه قد نجح حقاً.

تمنيتُ لو أعود لزماني فوراً، لكنه أمسك بيدي وقادني، ويداه دافئتان ومطمئنتان بشكل غريب، كأنهما يد كاهن يحمل سر الكون. قال بهدوء، لكن كلماته حملت تحذيراً واضحاً بضرورة الحذر، وأن وجودي هنا سر لا يجب أن يكشف، لأنه قد يغير مجرى التاريخ بأكمله، أو نتائجه قد تكون كارثية على البشرية.

قادني عبر ممرات دار الحكمة. المبنى الضخم فخمًا، يضم مكتبة عظيمة لا حدود لها، تزدحم بالكتب والمخطوطات التي تفوح منها رائحة الورق القديم والحبر، كل ورقة فيها تاريخ. مررنا بمختبر مجهز بأحدث أدوات زمانه، ومرصد فلكي لدراسة السماء، وقاعات فسيحة للدراسة والنقاشات الفكرية الحرة، حيث تتعالى الأصوات في حوارات لا تنتهي، وتصطدم الأفكار لتولد معرفة جديدة.

رأيت علماء وفلاسفة وشعراء من ديانات وجنسيات مختلفة، يجلسون معاً، وجوههم تضيء شغفاً بالمعرفة، يتبادلون الأفكار بحرية واحترام متبادل، العلم يوحدهم فوق كل الاختلافات. شعرت بإعجاب شديد بهذا العالم، وبعمق الفضول الجامح الذي دفعني لأعرف أكثر عنهم وعن عملهم وعن هذا العالم المدهش، عالم المعرفة الخالص الذي لا تشوبه شائبة، وكم تمنيت أن أكون جزءاً منه.

وصلنا إلى غرفة في نهاية المبنى، مغلقة بقفل خاص يبدو معقداً، يزينه نقش غامض يشي بأسرار دفينة. فتحه برمز سري لم أفهمه، لكنه كان يبدو سحرياً في طريقة فتحه، ودخلنا. غرفة مليئة بأجهزة وأدوات علمية غريبة الشكل تُستخدم في قياس وحساب وتجريب الظواهر الطبيعية، بعضها لم أرَ له مثيلاً حتى في زماني المتقدم، وبدا لي وكأنها من عالم آخر تماماً.

وسط الغرفة جهاز غريب الشكل، هائل الحجم، يشبه شاشة عرض كبيرة متصلة بأسلاك ومفاتيح وأزرار معقدة، محاطة بلمعان ضوء أزرق خافت ينبعث من أقطاب معدنية متناثرة على سطحها، تمنحه هالة من الغموض والقوة، كأن طاقة الكون تتركز فيه وتتدفق منه، يبدو وكأنه آلة صنعتها الآلهة لا البشر.

أشار الخوارزمي إلى الجهاز بفخر، ونظراته تتوهج بالرؤيا. قال إنه نتاج سنوات طويلة من البحث والتجريب الدقيق، سهر الليالي من أجله، ضحى بالكثير ليصنعه. شرح لي كيف اكتشف قانونًا جديدًا للطبيعة يسمح بتغيير مسار التاريخ، كأنه يلعب بخيوط الزمن مثل عازفٍ ماهر يعزف على أوتار القدر ويتحكم به، قادراً على تشكيل الواقع.

شعرتُ بالرهبة من قوة هذا الاكتشاف. سألته في نفسي عن هدفه من هذا الاختراع الذي يبدو خطيراً، وعن السبب الحقيقي وراء هذه القوة الهائلة. أجابني بأن هدفه هو تحقيق حلمه الأكبر: جعل دار الحكمة مركزًا عالميًا للعلم والثقافة، يجمع كل كتب الحكمة التي كُتبت عبر التاريخ، من كل زمان ومكان. أخبرني أنه يرسل رسائل إلى المستقبل، يطلب فيها من أصدقائه كتبهم وأفكارهم ليجمعها هنا، لكي ينشر العلم والمعرفة، ويضمن خلود الحكمة في بغداد والعالم.

أدركت حينها أنني جزءاً من هذا المشروع العظيم عندما أحضرني الجهاز، كنت الدليل على نجاحه. لكن المخاطر كانت واضحة. تمتمتُ في داخلي بتحذير بالغ، وقلبي يدق بقوة: هذا خطير جدًا! هل تدرك أن تغيير التاريخ قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها؟ قد تحدث مشاكل، صراعات، أو كوارث بسبب تدخلك في الماضي أو المستقبل، فقد تفسد كل شيء، وتضر بنفسك أو بالآخرين دون قصد، وقد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها.

نظر إليّ الخوارزمي بثقة لم تتزعزع، وكأن لا شيء في الكون يزعزع إيمانه بمشروعه. أكد لي أنه يعرف ما يفعله جيداً، وأنه اختبر كل التفاصيل والمتغيرات مرات عديدة، ولم يحدث أي خطأ يُذكر حتى الآن. شرح أنه يتبع قواعد صارمة لضمان سلامة السفر عبر الزمن، قواعد دقيقة ومحكمة تحول دون وقوع الأخطاء الكارثية.

أخبرني أنه لا أحد يعلم بوجود الجهاز سواه، وهذا سر يحفظه بصرامة، وأنه لا يرسل أي شيء يسبب ضررًا أو فتنة بين الناس، بل يقتصر على طلب الكتب. لا أتدخل في شؤون الناس، قال بوضوح، فقط أطلب وأستقبل كتبًا عن العلم والفن والأدب من أصدقاء موثوقين، أناس من المستقبل يشاركونني نفس الشغف بالمعرفة ويسعون لخير البشرية. الأمر لا يتعدى تبادل المعرفة لخدمة العلم، لا أكثر.. كلماته كانت مطمئنة، لكن قلقي لم يهدأ تماماً.

سألته في داخلي، بفضول لا يُقاوم: لكن لماذا أنا تحديداً؟ لماذا جئت بي إلى هنا من بين كل البشر؟ أجاب وكأنه يقرأ ما في عقلي دون كلام، بنظرات تخترق روحي، بأنني مختار من بين آلاف الأشخاص الذين عبروا أمام البوابة، وظهرت صورتهم له. قال إنه رأى فيّ شغفًا حقيقياً بالعلم والتاريخ، وحبًا لدار الحكمة وما تمثله من قيم، روحاً تتوق للمعرفة. شرح لي أنني جئت لأساعده في مهمته الكبرى، ولأكون رسوله إلى المستقبل، أجلب له المزيد من الكتب والمعارف التي لم تُكتب في زمانه بعد، كنوز تنتظر أن تُكتشف، ومعرفة ستغير وجه العالم.

شعرت بالمسؤولية تقع على عاتقي. حاولتُ التهرب، وقلت بتوتر وأصابعي ترتعش: لا أستطيع ذلك! أنا لست عالماً أو باحثاً، فقط طالب مدرسة إعدادية من زمنكم أتعلم. لا أملك كتبًا تهمك بهذا القدر، ولا أدوات يمكنها أن تساعدك. أريد العودة إلى حياتي الطبيعية فقط، إلى أهلي وأصدقائي. لكنه لم يقبل رفضي.

عيناه تشعان بالإصرار، وبريق الأمل لم يفارقهما. قال: لا تقل هذا، أنت قادر على فعل المستحيل الذي لا تتخيله. أنت محظوظ لأنك تعيش في زمن متقدم، حيث تتوفر الكثير من المصادر والوسائل للتعلم والابتكار، وسائل لم نحلم بها في عصرنا. تملك شيئًا نادرًا وثمينًا يحلم به العلماء في زماني، كنزاً لا يقدر بثمن، يُدعى.. الإنترنت! هذا السلاح المعرفي الذي لا يقدر بثمن، وهو مفتاح مشروعي العظيم، كنز المعرفة الرقمية.

تملكتني الدهشة من جديد. كيف لهذا الرجل القديم أن يعرف عن الإنترنت؟ هذا مستحيل! سألته في دهشة بالغة كيف عرفه. أجاب بأنه قرأ عنه في كتب أرسلتها إليه من زمني، كتب تحمل بين طياتها وصفاً لمستقبلنا. شرح لي أن الإنترنت شبكة عالمية تربط ملايين الحواسيب، تحتوي معلومات وصورًا وفيديوهات عن كل شيء تقريبًا، من أصغر ذرة في الكون إلى أوسع مجرة، من تاريخ البشرية إلى أعمق علوم الفلك.

أكد أنه مصدر لا نهائي للعلم والمعرفة، لا يمكن حصره في كتاب واحد أو مكتبة، وأنه يحتاجه لإكمال مشروعي الكوني الذي سيغير الموازين، ويدفع عجلة العلم آلاف السنين للأمام، ليجعل من بغداد منارة للعلم لا تُضاهى.

ازدادت حيرتي، فكيف يمكنني أن أحضر شيئاً غير مادي؟ سألته كيف أجلب له الإنترنت، وهل أحتاج أن أحضر حاسوبي أو هاتفي معي؟ ضحك الخوارزمي بهدوء، وابتسامة حكيمة ارتسمت على شفتيه، موضحاً أن ذلك لا يكفي. فالإنترنت ليس شيئًا ملموسًا يمكن حمله، بل هو شيء مجرد يعتمد على تقنيات وترددات وشيفرات معقدة، عالم كامل من البيانات. تحتاج إلى جلب كل ما يتعلق به من أجهزة، برامج، شبكات، وخوادم. أنتَ جسر المعرفة بين زمانين، وعليك أن تحضر الأساس لذلك الجسر. أعلم أن الأمر يبدو معقداً، لكنني أثق بك.

تملكني اليأس. قلت بتعجب ويأس ظاهر في صوتي: لكن هذا مستحيل! كيف أجلب كل هذا؟ أين أضعه؟ كيف أشغله في هذا الزمان الذي لا يملك الكهرباء ولا التقنيات اللازمة؟ أجاب بثقة، ونظراته تحمل تشجيعاً كبيراً، تؤكد أن لا شيء مستحيل على الإرادة والعلم، فقط يحتاج الأمر إلى التخطيط والإعداد والتنفيذ.

أخرج من جيبه علبة صغيرة تحتوي قطعة معدنية تشبه القرص اللامع، منحوتة بدقة، وقال: هذا هو المفتاح، جهاز صغير يحتوي على برنامج خاص اخترعته لهذا الغرض، صممته ليتجاوز حدود الزمان والمكان. يمكنه الاتصال بالإنترنت في زمانك، وتحميل كل المعلومات التي ترغب بها، وتخزينها في ذاكرة داخلية. ثم تعيده إلى زماني، وتوصله بجهاز البوابة، لأتمكن من قراءة كل ما في الإنترنت والاستفادة منه، وتحويل المعرفة الرقمية إلى كنوز يمكنني استخدامها، لتكون بغداد مركز المعرفة الرقمية أيضاً.

سألته في نفسي، هل هذا آمن حقاً؟ وما هو سر هذا المفتاح؟ أجاب الخوارزمي عن سؤالي غير المنطوق، قائلاً إنه سيشرح لي كل شيء بالتفصيل بعد قليل، لكن عليّ أولًا أن أقبل المهمة الكبرى التي تنتظرني. كرر أنه بحاجة إلى شخص ذكي، شجاع، ومغامر، يحب العلم والتاريخ، يستطيع السفر عبر الزمن، ويجلب له الإنترنت، كنز المستقبل الذي لا يُحصى.

نظرت إليه وإلى المفتاح اللامع في يده، وشعرت بصراع داخلي عنيف بين التردد والحيرة تساورني، صراع بين الخوف من المجهول والرغبة في المغامرة. كنت أريد العودة إلى حياتي الطبيعية، إلى عالمي الذي ألفته في القرن الحادي والعشرين، إلى روتيني المألوف، لكنني كنت أيضًا متحمساً لخوض هذه المغامرة الفريدة التي لم يتخيلها أحد، فرصة لا تتكرر في التاريخ، فرصة لأكون جزءاً من شيء عظيم. تذكرتُ حبي للعلم والتاريخ، واحترامي للخوارزمي ودار الحكمة التي أبهرتني بعظمتها.

فكرتُ ملياً في المغامرة التي تنتظرني، وفي أبعادها المستقبلية، وما قد أتعلمه من هذه الرحلة الاستثنائية، التي ستغير حياتي للأبد وتصقل شخصيتي. كيف يمكنني المساهمة في تقدم البشرية وربط الأزمان ببعضها، لأصبح جزءاً من تاريخ عظيم يُكتب الآن؟ تنفست بعمق، وأغمضت عيني للحظة لأستجمع قوتي وشجاعتي، أتخيل نفسي في المستقبل أروي هذه القصة لأحفادي.

ثم قلت بقرار لا رجعة فيه، بصوت واضح وثابت، يصدح في أرجاء الغرفة: سأقبل المهمة، ليس فقط لأنني أحب العلم والمعرفة وأرى أهميتها، بل لأنني أؤمن بأن المعرفة هي نور لا يُطفأ، وشعلة تضيء الدروب المظلمة، وأن كل منا يحمل في داخله مفتاحًا لفتح أبواب جديدة للعالم، مهما كانت الظروف صعبة والتحديات كبيرة، ومهما كانت الرحلة خطيرة، فالمعرفة تستحق كل هذا العناء والتضحية. هذا هو مصيري الآن.

ابتسم الخوارزمي بامتنان عميق، وأمسك بيدي بحنان أبوي، قائلاً: لقد اخترت الطريق الصحيح، طريق الحكمة والتقدم. لا تنسى، أنت لست وحيداً في هذه الرحلة الخطيرة، فالمعرفة ستحميك. المعرفة تجمعنا، والقلوب الشجاعة تضيء الظلمات الأكثر قتامة، وتشق طريقاً في المجهول.

في تلك اللحظة، شعرت بأنني لم أعد مجرد زائر عابر في دار الحكمة، بل أصبحت جزءًا من نسيجها الأزلي، روحًا تنسج الحكايات عبر الأزمان، تكتب التاريخ بيدها، وتفتح أبواب المستقبل بجرأة الأمل الذي لا يلين.

خرجتُ من الغرفة، حاملاً المفتاح الصغير الذي يحمل بين طياته مصير الأزمان، وعيناي تلمعان برؤية جديدة، وحكاية بدأت للتو لتُروى، حكاية جسر يربط الماضي بالمستقبل، ويزرع بذور الحكمة في كل عصر، ليضيء دروب الأجيال القادمة. ولهذا، سأكون فؤاد الجسر الذي يربط ماضي المعرفة بمستقبلها المشرق.

 


مشاهدات 51
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/02/19 - 4:50 AM
آخر تحديث 2026/02/19 - 7:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 295 الشهر 14755 الكلي 13946399
الوقت الآن
الخميس 2026/2/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير