الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حتميات ما بعد الإنسداد السريري.. سيولة الدولة وعقيدة الإستبدال التأريخي

بواسطة azzaman

حتميات ما بعد الإنسداد السريري.. سيولة الدولة وعقيدة الإستبدال التأريخي

كاظم نزار الركابي

 

تجاوز تشخيص الأوضاع في البلاد، مرحلة التحذير التي باتت متأخرة، ليدخل حيز اليقين الممزوج برهبة الخوف من المستقبل، بعد ان تحول مصطلح “الانسداد السريري”، الذي اجترحناه وحذرنا من تداعياته الكارثية مراراً، اليوم إلى حقيقة مرعبة ومفردة يومية تحت مسمى الانسداد السياسي، لا تتداولها أروقة القرار فحسب، وانما تتداولها النخب، وتصدح بها تصريحات ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان. هذا الاعتراف المتأخر بخطورة المشهد يفرض علينا مغادرة مربع التوصيف المرضي، والانتقال الفوري والحاسم لاستشراف حتميات ما بعد هذه الغيبوبة السياسية في كل مفاصل الدولة، فالأنظمة العاجزة تدفع دائماً أثماناً باهظة جراء ترددها وانفصالها عن الواقع.

ذوبان الهياكل ومتلازمة “سيولة الدولة

الغرق المستمر للطبقة السياسية في صراعات المغانم الضيقة والمقاعد الوهمية، أنتج ظاهرة جيوسياسية ومؤسساتية شديدة الخطورة نطلق عليها مصطلح “سيولة الدولة”. الهياكل المؤسسية الصلبة، التي يفترض أن تعزز السيادة والهوية الوطنية، تندثر اليوم رويدا جراء عصف الأزمات المتلاحقة والتنصل الممنهج من المسؤولية، فالسلطة المركزية تحولت إلى كيان رخو، فاقد للملامح السيادية، وعاجز تماماً عن حماية حدوده الإقليمية، وفاشل في تأمين أبسط مقومات العيش الكريم لمواطنيه في الداخل.

هذه السيولة المؤسساتية تعني انعدام القدرة على احتكار قرار السلم والحرب، وتلاشي سطوة القانون أمام سطوة الانتماءات الفرعية، فالدولة، باتت، تفقد هيبتها جراء التواتر البطيء للاندثار الذي تغطي عليه الازمات، وتتحول إلى واجهة ديكورية تخفي خلفها غابة من التقاطعات والمصالح الفئوية، تاركة جدار الصد الوطني مكشوفاً بالكامل أمام العواصف الإقليمية والدولية العاتية.

تفكيك العقد الاجتماعي والانكشاف المجتمعي

وبسبب هذه السيولة القاتلة وانعدام المظلة السيادية، غادر المواطن العراقي، المطحون تحت رحى الفشل الخدمي والاقتصادي، مساحة “العقد الاجتماعي” التقليدي القائم على تبادل الحقوق والواجبات المدنية، وتراجع الشارع المأزوم بنحو قسري صوب ولاءاته البدائية والدخول في “عقد البقاء” الوحشي. الفرد بات يبحث عن حمايته وأمنه ورغيف خبزه في خنادق العشيرة أو الطائفة أو الكيان المسلح، بعد أن أثبتت مؤسسات الدولة الرسمية عجزها الشامل عن أداء وظيفتها التأريخية كحامية للمجموع.

هذا الانكشاف المجتمعي الخطير يمثل أعلى مراحل الانهيار الداخلي. تحول مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاضعة للمساومة والبيع والشراء، يرمي بالمجتمع بأسره في أتون فوضى مجتمعية تفتك بما تبقى من الطبقة الوسطى وتسحق الطبقات الفقيرة بدم بارد. استمرار هذا التفكك يعني الدخول الفعلي في مرحلة الاحتراب الأهلي المؤجل، بانتظار الشرارة الإقليمية أو الاقتصادية التي ستشعل برميل البارود.

عقيدة “الاستبدال التأريخي”.. الطبيعة تمقت الفراغ

الفراغ السيادي المخيف، والتقاعس الفاضح عن أداء واجبات القيادة، يُفعّل تلقائياً وبقوة قاهرة قوانين حركة التأريخ الصارمة، وفي مقدمتها عقيدة “الاستبدال التأريخي”. الجغرافيا السياسية تكره الفراغ، وتمقت القيادات المترددة. الأنظمة التي تتخلى عن مسؤولياتها التأريخية، وتتقاعس عن اتخاذ القرارات المصيرية والجريئة في لحظات الخطر الوجودي، تسقط شرعيتها فوراً بحكم الواقع وتتقادم وظيفتها لتصبح عبئاً يجب التخلص منه.

خيانة الأمانة الوطنية، والانشغال بعبثية المساومات الحزبية وتقاسم المناصب في وقت تُكتب فيه خرائط المنطقة بالدم والنار، تعني توقيعاً رسمياً ونهائياً على شهادة “الانقراض السياسي” للطبقة الحاكمة بأسرها، فالتأريخ البشري لا يعترف بالمناصب الشرفية والمكاسب المؤقتة؛ من يفشل في إدارة الدفة وسط العواصف، تُسقط عنه صفة القيادة، ويُستبدل فوراً وبقسوة بالغة بعناصر جديدة قادرة على استيعاب متطلبات المرحلة القادمة. المنصب الحكومي أو النيابي وُجد حصراً لخدمة الأمة وصيانة أمنها القومي، وأي انحراف عن هذا المسار يحيل شاغل المنصب إلى هدف مباشر لسنن التغيير الجارفة.

ولادة البديل.. صعود “قيادات القطيعة التأريخية

في ادبيات السياسة وعلى مدى التاريخ، لطالما تسببت الأزمات المجتمعية الحادة، في ولادة قوى وعناصر، بمقدورها الاطاحة بالعابثين - سواء بالقوة او اللين – لتملأ الفراغ السيادي وتنهي حالة السيولة.

هذه القوى تولد دائماً من رحم المعاناة القصوى واليأس المطلق من أدوات الماضي. الشارع العراقي المحتقن، والباحث بشراسة عن طوق نجاة حقيقي ينتشله من قاع الفشل، سيتجه حتماً وبقوة الدفع الذاتي نحو إنتاج ما يمكن ان نطلق عليه “قيادات القطيعة التأريخية”.

نحن نقف على أعتاب بروز نخب وطنية راديكالية حازمة، ترفض أنصاف الحلول، وتطيح بكل المعادلات الكلاسيكية البالية، وتتخذ من الصرامة والوضوح منهجاً لإدارة الدولة.

قطيعة تامة

وهذه النخب او القوى – سمها ما شئت -  لن تساوم على حساب السيادة، وستحدث “قطيعة تامة” مع إرث المحاصصة وعقلية التخادم السياسي. ومهمتها الأساسية ستنحصر في فرض أمر واقع جديد، يعيد ترتيب أوراق الدولة بقوة القانون والصدمة الإيجابية، ويحتكر أدوات القوة، ويعلن حالة الطوارئ الاقتصادية الشاملة لإنقاذ هيكل الدولة من الانهيار التام. استمرار الطبقة الحالية في التشاغل بمعارك الكراسي وتقاسم النفوذ الوهمي، يمثل قمة العمى الستراتيجي والانفصال التام عن هذا الغليان الذي يحضّر لولادة البديل القاسي.

لحظة الحقيقة.. ومخاض التأسيس الإجباري

الوقائع الجيوسياسية المتسارعة تضع العراق بأسره أمام خيارات صفرية لا تقبل أنصاف الحلول أو سياسة ترحيل الأزمات. عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، والبيئة الإقليمية الملتهبة لن تمنح المتقاعسين ترف الوقت لتصحيح أخطائهم المتراكمة. المرحلة الحالية تتطلب شجاعة استثنائية لكسر حلقة الانسداد السريري عبر تحرك وطني جراحي، ينتج حكومة طوارئ منقذة تعيد صياغة العقد الاجتماعي وتؤسس لـ “دولة القلعة” المحصنة ذاتياً.

غياب التحرك العاجل يعني ترك البلاد فريسة سهلة لمشرط التقسيم الدولي والتسويات الإقليمية الإجبارية. التأريخ يدون الآن، وبحبر شديد الوضوح، السطور الختامية لصفحة طويلة من الإخفاق والتردد. البقاء في هذه العاصفة الكونية مشروط بامتلاك إرادة فولاذية تصنع قرارها السيادي بيدها، وتنهض من تحت ركام هذا الانسداد لبناء مؤسسات صلبة لا تلين. إرادة التغيير ينبغي أن تسبق طوفان الانهيار، والسيادة الحقيقية تُنتزع بالقرارات الجريئة وتُعمد بالتضحيات الكبرى، إيذاناً بانبثاق فجر التأسيس الإجباري الصارم لدولة تحترم وجودها وتفرض هيبتها على الجميع.

 

 

 


مشاهدات 45
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/04/06 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/04/07 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 5172 الكلي 15223245
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير