الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المظلوميات تتقدّّم على مفهوم بناء الدولة

بواسطة azzaman

المظلوميات تتقدّّم على مفهوم بناء الدولة

خالد محسن الروضان

 

في خضمّ التعقيدات المتداخلة التي تحكم المشهد العراقي، تتقاطع مسارات المجتمع مع الدولة في علاقة ملتبسة، تتنازعها الهويات الفرعية أكثر مما يوحّدها الانتماء الوطني. وبين مفاهيم المواطنة والتعايش الإنساني، والتعددية والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، يبرز خلل بنيوي عميق يضرب جوهر الدولة، ويقوّض إمكانات بنائها على أسس حديثة.

الدستور، بوصفه العقد الجامع، لم يسلم هو الآخر من التناقضات، إذ تضمّن موادّ متباينة في الرؤية والاتجاه، ما فتح الباب أمام تأويلات سياسية متضاربة أسهمت في تكريس الفساد الإداري والمالي، بدل أن تكون أداة لضبطه. كما أن إغفال الإشارة الواضحة إلى انتماء العراق العربي، مقابل التأكيد على تعددية اللغات، والسماح بازدواج الجنسية، خلق بيئة رخوة للولاءات المتعددة، وأضعف من تماسك الهوية الوطنية.

منذ عام 2003، ومع نشوء العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي، تمّ تأسيس النظام على قاعدة تقسيم المجتمع إلى مكوّنات طائفية وقومية: شيعة، سنّة، وكرد. غير أن هذا التقسيم لم يكن متوازنًا؛ إذ جرى التعامل مع الكرد بوصفهم قومية، بينما جرى اختزال العرب في هويات طائفية، ما أحدث خللًا بنيويًا في التوازن الاجتماعي، وأدخل الهوية الوطنية في دائرة التهديد المستمر.

ضمن هذا السياق، برز ما يمكن تسميته بـ”سباق المظلوميات”، حيث تحوّلت معاناة الماضي إلى أداة سياسية للمنافسة على الحاضر. وكما تعبّر الأغنية الشعبية العراقية: “عدّ وأنا أعدّ ونشوف ياهو أكثر هموم”، باتت المظلومية وسيلة لاقتسام النفوذ والمغانم، لا مدخلًا لتحقيق العدالة. وهكذا، غدت الموازنات المالية ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم الحصص، ضمن نظام محاصصة لم يجنِ منه الشعب سوى المزيد من التدهور.

لقد تحوّل النظام السياسي إلى شبكة من التجاذبات، تحكمها المصالح الحزبية الضيقة، وتغذّيها انقسامات طائفية وعرقية، حتى باتت الدولة نفسها غائبة أو مُعطّلة. ولم يعد الصراع سياسيًا بقدر ما أصبح صراعًا نفعيًا، يكشف عن بنية عميقة من الفساد والتواطؤ، تتقاسمها قوى متناقضة في الظاهر، متفقة في المصالح.

إن استمرار هذا النهج يهدد ليس فقط بنية الدولة، بل أيضًا النسيج الاجتماعي والثقافي للعراق. فحين تتقدّم الفتوى على الدستور، والانتماء المذهبي على المواطنة، تتحوّل الدولة إلى كيان هشّ، قابل للانفجار في أي لحظة.

إن إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة لا يمكن أن تتمّ إلا عبر إحياء مفهوم المواطنة، بوصفه الإطار الجامع لكل العراقيين، بعيدًا عن الانتماءات الضيقة. دولة القانون والمؤسسات، لا دولة المكوّنات، هي وحدها الكفيلة بإخراج العراق من دوامة الصراعات.

أما إذا استمرّ سباق المظلوميات في تصدّر المشهد، فإن الغليان الكامن في الشارع لن يبقى مكتومًا، وقد ينفجر بأساليب لا يمكن التنبؤ بمآلاتها


مشاهدات 50
الكاتب خالد محسن الروضان
أضيف 2026/04/01 - 12:46 AM
آخر تحديث 2026/04/01 - 2:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 139 الشهر 139 الكلي 15218212
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير