الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كفن الخصوصية.. هل نحن أسياد مصائرنا أم محض أرقام في إقطاعيات الخوارزميات ؟

بواسطة azzaman

كفن الخصوصية.. هل نحن أسياد مصائرنا أم محض أرقام في إقطاعيات الخوارزميات ؟

موفق البياتي

 

في عالم لم يعد فيه الكفن قماشاً ابيضاً بل صار بروتوكولاً رقميا يلف خصوصيتنا المحتضرة ، حيث نقف جميعا عراة امام احداثيات التحكم التي لا تغفر ، فلقد تحولت الارض ، وتحديدا جغرافيا الصراع المشتعل بين واشنطن و طهران الى اقطاعيات رقمية كبرى لا تقاس السيادة فيها بحدود التراب و المياه ، بل بمدى القدرة على اختراق (السيرفرات) وتشفير المصائر، ففي هذا الملكوت الرقمي الشاسع لم نعد نبحث عن الحقيقة بعد ان صارت الخوارزميات هي التي تختار حقيقتنا ، وتفصّل لنا واقعنا على مقاسات غيرنا وانحيازاتهم ، فبينما نتوهم اننا نمسك بزمام قراراتنا ، نكتشف و ببطئ خارق ان ارواحنا قد اقتيدت الى هياكل من البيانات التي بمقتضاها يعاد تدوير رغباتنا وتوقعاتنا كما النفايات الملقاة داخل اقطاعيات برمجية لا ترحم، وحتى غدونا مجرد ذوات لا تستطيع ان تخط قدرها بوعي حر، اذ استحلنا الى محض اصداء باهته في سمفونية تعزفها (الاكواد) ( 1) بعيدا عن ارادتنا .

هندسة القطيع

ونحن نطوي ما تبقى من الربع الاول من هذا العام لم يعد يتبدى لنا ان العالم الذي نعيش فيه لم يعد ذلك الحيز المادي الذي تحده الجغرافيا  وتصونه الجدران الحصينة المتماسكة ، فلقد ولجنا عنوة – لا بمحظ ارادتنا الطائشة – في اتون عصر لا تهدم فيه الجدران لتسرق الاسرار ، بل تشرع الابواب طواعية ليسرق الانسان ذاته ، فنحن اليوم وبينما نرتشف فنجان القهوة في مقاهينا، نخال اننا بمناى عن العالم الافتراضي ، لكننا في الحقيقة لسنا سوى وليمة تقتات عليها وحوش البيانات الضاربة .

 ان السيادة التي نتغنى بها اليوم ليست سوى سراب بقيعة (2) فبينما نظن اننا نمسك بزمام جهازنا (الجوال) واننا نحن الاسياد عليه ، فان ثمة خيط خفي يمتد بين ايدينا ليوصلنا الى عقل (سيبراني) جبار، يعد علينا حتى انفاسنا ونحن نسير في زقاق ضيق في قلب بغداد ، انه يدرس فلتات لساننا ، ويتنبأ بقراراتنا قبل ان تختمر في نفوسنا فلقد تحولنا – من غير ان نعي – من ذات حرة يملؤها الكبرياء السومري الى موضوع قابل للتحليل والبيع في اجندة الخوارزميات الخفية التي لا ترحم.. ان الصدمة الحقيقية لا تكمن في معرفة الشركات لما نشتريه ، بل في قدراتها على هندسة ما سنرغب فيه مستقبلا ، اذ كتب علينا القدر ان نعيش في ظل دكتاتورية الحاسوب ، هذه السلطة التي لا تحتاج الى زنازين او عسس لتجعلنا حراس سجوننا  ولتحول الطاعة بيننا الى غريزة ، بل تحتاج فقط الى واجهة مستخدم براقة وسرعة (انترنت) فائقة تبتلع وعينا ، فاين هي الجزالة في حريتنا حين تباع ادق تفاصيل (ميكرو بيوم) (3) اجسادنا  او ميولنا السياسية ، او حتى نبرات صوتنا المنهكة من تعب الايام لشركات عابرة للقارات لا يملا جوفها الا الارقام.

زنازين الترسانة المشفرة

 لقد غدت الخصوصية ترفا اثريا يشبه المخطوطات التي تاّكلت في خزائننا القديمة ، فبينما يفرض علينا الكومبيوتر عرياُ كاملا ، نتحول وبايعاز منه الى بينات شخصية مشفرة اعاد تشكيلها و صيرها الى شيء اغلى من النفط ، بل هي نفط العصر مع فارق بسيط ، هو اننا نحن الابار ونحن الوقود ونحن الضحايا الذين يحترقون لانارة المصابيح في (سيليكون فالي ) (4) بينما يظل المواطن في عالمنا يتساءل : لماذا تبددت الاجوبة واحدة تلو الاخرى واطفأت تلك الطمأنينة التي يلوذ بها كلما ضاقت به الطرق ليدرك متأخراً  وبقسوة لا تحتمل ، انه لم يخسر الاجابات فحسب بل فقد حتى حق الصمت.  ان الخطر الحقيقي لا يقع في غرف الاقتصاد فحسب ، بل في المطابخ السياسية التي ادركت ان السيادة الوطنية لم تعد تقاس بحدود الارض ، بل بامتلاك الشفرة حين تتحول الانظمة من حراسة الحدود الى حراسة العقول ، وتغدو البينات الضخمة هي الجاسوس الاكبر الذي لا ينام ، و تصبح الخوارزمية هي الحيز الذي يسكن في جيوبنا ، وهكذا نشهد في كل يوم ولادة السيادة الرقمية العابرة للقارات ، حيث تمتلك شركات التقنية نفوذا يبتلع هيبة الدول ، فتسقط حكومات و تصعد اخرى بضغطة زر تعيد فيها توجيه الراي العام وكانه قطيع يساق الى قدره.     ان ما نراه اليوم ليس صراعا على الاراضي ، بل هو استعمار ادراكي يغزو الوعي الجمعي العراقي والعربي والانساني ومن دون اطلاق رصاصة واحدة ، محولا ايانا الى رعايا رقميين لا نملك من امر سيادتنا على انفسنا الا حق الموافقة على الشروط والاحكام التي لم يقراها احدنا قط ، ذلك لانها شروط اذعان في عقد مختل التوازن.

هوامش

1- الاكواد ، جمع كود وهي في الحاسوب التعليمات التي تكتب لتشغيل البرامج

2- سراب بقيعة ، شيء يرى كانه حقيقة مثل الماء لكنه في الحقيقة وهم لا وجود له

3- ميكروبيوم ، مجموعة الكائنات الحية التي تعيش دااخل جسم الانسان او عليه ، كالبكتريا والفطريات والفيروسات

4- سيليكون فالي ، و يقصد بها وادي السيلكونيون ، وهي العاصمة التقنية للعالم الرقمي الذي تعيشه وهي مدينة في كالفورنيا

 

قاض سابق

 


مشاهدات 48
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/03/28 - 12:15 AM
آخر تحديث 2026/03/28 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 22575 الكلي 15214643
الوقت الآن
السبت 2026/3/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير