همسات ساخنة.... ومضات هادئة
الكنيسة الكلدانية بين مطرقة الفاتيكان وسندان الإنسان
لويس إقليمس
لم أشأ الاستعجال في الكتابة عن الزلزال الذي تعرّضت له الكنيسة الكلدانية الشقيقة ورأسُها المستقيل غبطة البطريرك (الكاردينال) لويس ساكو سواءً إبّان فترة رئاسته لها أو بعد إعلانه قراره بالاستقالة وترك رئاسة كرسيّها العريق إلاّ بعد توفر بيانات وانكشاف أخرى ذات صلة. فقد تعرّض الرجل لوابلٍ من القذف والتجريحٍ غير المبرّرين ، سواءً عبر تفاهات وتعليقات "فيسبوكية" مارقة غير منضبطة في الرصد والمراقبة والحكم العشوائي الجائر، أو في تضادٍّ لشخصه وطريقة إدارته. فليس من المنطق تحميلُ غبطته وزرَ أخطاء بعض إخوته الأساقفة أو نشوزَ غيرهم أو سوء سلوك نفرٍ من كهنة الطائفة ممّن لم يتقنوا واجباتهم الكنسية بحسب الأمانة الأبوية المنوطة بهم كخدّامٍ أمناء للرسالة الروحية التي أولوها لحفظ الأمانة. ومع ذلك، فهذا لم يكن يعفيه البتة من مسؤولية معالجة ما كُسر ولاحَ من مخالفات مشبوهة السلوك لهذا البعض عبر سنوات من التجاهل أو التغاضي أو التستّر الحاصل والمرفوض سواءً من غبطته أو من السينودس الكلداني، لاسيّما في بعض كنائس بلدان الاغتراب والشتات التي شابها العديد من الأخطاء والملاحظات غير السارّة. فقد كانت هذه من الشواهد السافرة المستنكرة التي كانت تتطلّب شيئًا من الصرامة والمحاسبة واتخاذ قراراتٍ باتة بإيقاف خدمة هذا البعض الشاذ الشارد والمارد بسبب ما وفّرته تلك البلدان المترهلة ومجتمعاتُها الضائعة من "درابين" البحث عن المادة والرفاه والإغواء ومغريات أسرار الحياة. فالسكوت عن الإثم مردودُه شائن لا محالة.
من حيث المبدأ، ليس من الحكمة والمنطق في ذات السياق، الانجرار إلى كلّ ما يُسمع ويُقال ويُحكى في مقاهي صناعة الأخبار المزيّفة الجائرة وغير الرصينة في معظمها، والتي يسعى صنّاعُها للانتقاص من قيمة قامةٍ كنسية كبيرة حظيت بتقدير دول العالم وشخصيات رسمية وشعبية ودينية وهو يحمل رتبة الكاردينالية في إدارة أكبر كنيسة عالمية ويتشارك بعضويةَ العديد من اللجان البابوية. كما من المعيب تشفّي البعض أو الشماتة بنبأ استقالته من منصبه في ظلّ ظروفٍ مربكة وغير اعتيادية. لكنّي أعتقد أنّ قرار غبطته غير المفاجئ أصلاً في هذا الظرف الحرج نابعٌ من تداعيات وحيثيات وتحديات عديدة تعرّض لها مؤخرًا. فقد زرتُ نيافتَه قبل ما يربو الشهر في دار البطريركية واستمعتُ له كما استمع لي كالعادة ضمن نقاشاتنا الأخوية بفضل ما تربطني بغبطته من زمالة أيام الدراسة الإكليريكية في معهد مار يوحنا الحبيب بإدارة الآباء الدومنيكان بالموصل في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ولاحقًا من توطّد الصداقة بيننا. فكنّا نتحاور ونتداول بروح المحبة والنصح في المستجدّات، نتفق ونتخاصم من دون تخالفٍ أو تقاطع إلاّ في إبداء الرأي والرأي الآخر حبًا بالوطن ولمنفعة الجماعة المسيحية. ولا بدّ من القول في هذه الزيارة الأخيرة، أن غبطتَه كان قد أبدى استعدادَه للمرة الثانية لتقديم الاستقالة عندما تتسنى الظروف. لكنني لم أتوقع كما غيري أن الظرف الذي تحققت فيه النية المبيّتة قد حان أوانُه. فهو صاحب الشأن بلا شكّ.
لا تدينوا لكي لا تُدانوا
في ذات السياق، فإنني أعتقد أن جملةً من الحقائق والأحداث قد قادته إلى هذا القرار السريع بلا تردّد. وقد أفلحُ في سرد بعضها في سطور سريعة مقتضبة لا أرغب في التعمّق بها لكونها خارج السردية المطلوبة في هذا الظرف. لكنّي أقولها بملء الفم والعقل والصبر والرحمة في آنٍ معًا لكلِّ مَن انزلقَ أو خانتهُ سمةُ البشر الضعيفة في النقد والشماتة والتجريح والحكم الارتجالي في ضوء ما تعرّضت له الكنيسة الكلدانية من زلزالٍ أخير ومن تطورات سريعة غير سارّة، ألّا تستعجلوا في أحكامكم كي لا تختلطَ الأوراق بين الحقائق القائمة على الأرض وفي البيوت والكنيسة المبنية على الإيمان القويم مع سيل التفاهات الجارفة التي لا ترحم والصادرة عن أفواهٍ وعقولٍ فارغة خالية من الرحمة والبصيرة والحكمة لاسيّما في مسألة إلقاء اللوم وأشكال العتب غير المبرّر هنا وهناك. فنتائج التحقيق القريبة من الصدق والعارفة بشعاب الأمور ودقائقها لا بدّ أن تظهر حقائقُها وعدالتُها قريبًا، تجريمًا أم براءةً. هكذا هي شؤون الحياة المثقلة بوابلٍ من "حجارة سجّيل" لا ترحم حينما يسقط الفارس من صهوة جواده مثقلاً بجراح "أعدائه" أو أشباههم ممّن لا يرحمون ولا يقبلون بالرحمة سابغةً على أخطائهم وسلوكياتهم المستورة بغطاءات ملفقة قد لا تجرعُها حتى "ملائكة السماء" أصحاب العروش المستدامة والأجنحة السداسية الساترة عوراتِ البشر وقذاراتهم باختلاف مشاربهم وأفكارهم ومنهجياتهم. فبتنا نشكّ حتى في نوايا ومهمّات هذه الأخيرة لأسباب كثيرة بعضُها مكشوف للملأ وغيرها مازالت تلفُّه عتمات الظلمة والظلم وسط البشر. وليس لي القول سوى ما تلقيناه من معلّم الرحمة، مسيحنا الذي غفرَ للخاطئة والعشار واللص اليميني وشفى المخلّع والأبرص وعبد قائد المئة وأقام ابن الأرملة ولعازر من القبر: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا، لأنكم بالدينونة التي تدينون بها تُدانون، وبالكيل الذي تكيلون به يُكالُ لكم". هكذا إذن، وصف المسيح حينَها دعاةَ الحكم والسلطة وعامةَ الشعب اليهودي المختار الذي لم يسعى لإخراج القذى والخشبة القذرة التي في عيون سادته وشيوخه بسبب مراءاتهم وكيلهم بمكيالين في الحكم على الغير. لقد نهرهم المسيح بسبب سلوكياتهم الجائرة وعيوبهم الكثيرة التي تغاضوا عنها حبًا بأنفسهم وكبريائهم وتلافيًا لأخطائهم المكشوفة والمستورة.
بعضٌ من أسرار كواليس الاستقالة
ليس خافيًا أن الكنيسة، أية كنيسة رسولية، هي مؤسسة تراتبية مبنية على الإيمان القويم بالمسيح والأعمال الصالحة. كما تحكمُها قوانين وأنظمة وتعاليم وتوجيهات وتصدرُ منها قرارات مبنية على حكمة وجدارة رأسها ضمن الشركة السينودسية وإجماع أعضائها من غير أن تُسبَغ عليها صفة العصمة. ومن ثمّ فهي لا تقوم ولا ترضى بأية سلوكيات شائنة أومشبوهة أو خطابات جافية فارغة تتخلّلُها مهاترات ومشاغبات وتجاوزات على رموزها ورجالها وأتباعها المؤمنين. كما أنه من غير المنطقي أو المحتَّم أن يراقبَ رأسُها، أيًّا كان تضلُّعُه أو شأنُه العلمي والإداري والروحي، كلّ شاردة وواردة، كبيرة أو صغيرة، شخصية أو عامة فيما يخصّ سلوكيات مَن ائتُمنوا على خدمة القطيع في أية بقعة من أرض الله الواسعة في الداخل أو في بلدان الاغتراب التي استقبلت شتات المؤمنين في عموم قارات العالم الخمس بسبب ما أصابهم وبلدانَهم وكنائسَهم من همومٍ التهجيرٍ والنزوح الظالم من جانب بشرٍ قساة الرقاب ومعدومي الرحمة والضمير والإنسانية والوفاء والصدق والغيرة والمحبة. بالتأكيد، ليس فينا مَن لا يخطئ أو يقع في مزالق الحياة لأيّ سبب. فجميعُنا من جنس البشر الخطّائين ولسنا من جنس الملائكة أصحاب الثياب البيضاء. بل حتى هذه الفئة وغيرهم من الصالحين وأولياء الله الذين نسبغ عليهم هالة القدسية والطهارة جزافًا كانوا أو مرّوا في مسيرة حياتهم بأشكالٍ من الاضطراب البشري والجسدي والفكري في فترة ما. بمعنى آخر لم يكونوا دومًا طاهري الذيل وكاملي العفاف. فمَن كان اليوم بيتُه من زجاج، لا يرمي بابَ جاره بحجر كي لا يرتدَّ عليه ويفقأَ إحدى عينيه. هكذا تدور الدوائر وتتحقق عدالة القدير، أيًّا كان شكلُ الفاعل أو نوعُ عبادته! فنحن لسنا سوى أبناء آدم وحواء، ومنهما ورثنا الخطيئة وارتكاب الزلاّت والمعاصي في فتراتٍ معينة من حياتنا. أي أننا ورثنا صفات الخطأ والصواب منذ تتالي الأحداث وتداول الخطيئة.
لا يخفى على العارفين بمجموعة قوانين الكنائس الشرقية الرسولية ومنها الكاثوليكية المرتبطة بالدوائر الفاتيكانية، احتفاظُ رؤساء هذه الكنائس بصلاحيات واسعة حصرية لا تتيح حتى لبابا الفاتيكان أو مجمع الكنائس الشرقية فرض الوصاية أو التدخل المباشر فيها بسبب خضوعها لقرارات السينودس الكنسي الشرقي ورئيسه حصرًا أي البطريرك. ولعلّ من هذه الشؤون الجدلية، ما أُشيع في بعض التعليقات والتكهنات غير الدقيقة عن طلب الاستقالة المزعوم الصادر من قبل بابا الفاتيكان. مبدئيًا، من حق رأس الكنيسة الكاثوليكية في روما إبداء ملاحظات بخصوص أمورٍ كنسية أو روحية صرفة مرتبطة بسلوكيات نفرٍ يخضعُ لرئاسة أية كنيسة رسولية تحتفظ بشركة مع كنيسة بطرس الرسولية في الفاتيكان حينما تحوم حوله أشكالٌ من الاتهامات بسوء السلوك أو الوقوع في فخّ الضلالة أو الفعل المشبوه أو التعثّر في الخدمة أو الأداء الإداري والمالي. فالهدف في مثل هذه الحالة هو الإصلاح ورأب الصدع في جسم الجماعة أو الرعية، وفي ذات الوقت ترك شأن ما يتعلّق بأية تحقيقات متاحة أومطلوبة أمام الجهات ذات الاختصاص، سواءً في الدوائر الفاتيكانية وفق القوانين الكنسية أو أمام القضاء المدني الذي لا ينبغي التدخل في شؤونه. وربما يكون تدخل الفاتيكان في فرض أحكامٍ مسبقة على الحالة الشاذة للأسقف المتهم بشبهات فساد مالي وإداري وبشري في إبرشية سان دييغو الأمريكية من دون انتظار الانتهاء من التحقيقات القضائية وإصدار قرار التبرئة أوالاتهام من ضمن الأسباب التي أغاضت غبطة البطريرك ساكو ليكون ردُّه صارمًا ورافضًا لتدخل بابا الفاتيكان أو المحيطين به من دائرة المجمع الشرقي المسؤول عن الكنائس الشرقية بموجب صكّ الشركة بين الجهتين. وبالرغم ممّا تسرّب من رفض بابا الفاتيكان لطلب اسقالة البطريرك ساكو، إلاّ أن الأخير أصرّ في الذهاب باتجاه الاستقالة استنكارًا لمثل هذا التدخل في الصلاحيات.
ربما هناك أسبابٌ بحيثيات أخرى، منها سياسية محلية في بعضها نجمتْ عن تراكم أحداث وتقاطع رؤى وتشتّت انتماءات في مسيرة المنظومة السياسية. ناهيك عن حالات الاستقطابات القائمة في داخل السينودس الكلداني وخدام الرسالة. وهنا يمكن أن نزيد عليها أيضًا تأثير الكمّ الهائل من الانتقادات الموجهة من غبطته لتشكيلات سياسية مسيحية ومحلية زاغت عن الخط الوطني وانغمست في أشكال الفساد والسرقات والنهب، ما أغاضَ البعض منها وزاد من حدة رفضهم لوجوده وخوفًا من طول بقائه على رأس أكبر كنيسة محلية مشرقية مؤثرة في العراق والعالم. ناهيك عن اعتبار مثل هذه التدخلات بمثابة انتهاك صارخٍ لدوره الروحي الذي يتقاطع مع تدخله في الشأن السياسي بحسب البعض من المغرضين. وبطبيعة الحال، لم يكن الفاتيكان غافلاً عن جلّ هذه الانتقادات التي كانت ترد إلى دوائره عبر شكاوى وملاحظات وانتقادات صارخة من جانب مختلف القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي أو عبر أدوات من أفرادٍ وجماعات مختلفة دينية كنسية أو مدنية. كما أُشيع أيضًا، تأثير بعض المنظمات المسيحية مثل "فرسان كولمبس" الأمريكية في قرارات بابا الفاتيكان بطريقة أو باخرى من واقع تمويلها الاقتصادي لمشاريع خيرية خاصة. وربما حصل منها جانبٌ من التدخل في حثّ البابا ودائرته المقربة لاتخاذ خطواتٍ استباقية غير مألوفة في معاقبة شخصيات كنسية كلدانية طالتها اتهامات بالاتجار بالممنوعات أو ظهرت عليها شبهات غير حميدة، وذلك حفظًا لتواصل دعمها السخيّ لمشاريع الفاتيكان وتوافقًا مع توجهاتها المنظماتية ونظرتها لواقع وطبيعة علاقة الجماعات الكلدانية في بلدان الاغتراب وربطها بصلاحيات البطريرك وطريقة إدارته لشؤون كنيسته. ولن أزيد أكثر ممّا نُشر أو قيل بصددها. واللبيب من الإشارة يفهم!
من جانب آخر، وفي سياق العلاقات بين أعضاء السينودس الكلداني غير المترابط في تشكيله وفكره والتزامه منذ سنوات، فهناك صراعٌ مناطقيٌّ وجغرافيّ مستتر ومزمنٌ في الانتماء لهذه المنطقة أو البلدة أو المدينة محليًا ودوليًا. وقد طالَ تأثيرُه أيضًا بلدانَ الاغتراب واستفحل في السنوات الأخيرة كصراع لأجنحة أو لوبيات داخل السينودس في صراعٍ واضحٍ على رئاسة الطائفة. كلّ هذا من دون أن ننسى توجه رئاسات أسقفية عراقية معروفة بأجنداتها الاقتصادية أو التجارية بمعنى أدقّ، ممّن رأت في سلطة رأس الكنيسة الكلدانية السابق قبيلَ استقالته تدخلاً مرفوضًا وغير مستساغ في أعمالها وقراراتها ومشاريعها بعد أن أثبتت وكأنها امبراطوريات مستقلة في شؤون كنائسها المناطقية.
مَن البطريرك القادم؟
في المحصلة، نأمل من آباء السينودس الكلداني حين التئامه قريبًا، أن يتخلّى عن سياسة الاستقطابات غير المثمرة، ويضع نصب أعينه مصلحةَ الكنيسة الكلدانية العريقة بمشرقيتها الرسولية وعموم الجماعة المسيحية بانتخاب موفق لمَن يستحق خلافة غبطة البطريرك لويس ساكو الذي لم يكن بمثابة زعيم روحيّ قادَ كنيسة العراق عامةً في أشدّ الأوقات حرجًا لثلاثة عشر عامًا فحسب، بل وجدَ فيه البعض من المنصفين زعيمًا وطنيًا جاهدَ في قول كلمة الحق وفضح المستور والمعطوب والمشبوه في تركيبة المنظومة السياسية أنّى تسنت له الفرصة. ومثلُه مثلُ أيّ زعيم وطنيّ صادق يسعى إلى الحداثوية وتطوير المجتمع ورفاهة الجماعة واستقرارها، فقد أصابَ الرجل في مسيرته وأخطأ، جاهدَ وفشلَ، بادرَ أو تردّد نتيجةً للظروفٍ الاستثنائية المستفزّة وغير المستقرّة خاصةً إزاء ما حصلَ من انتقاص للحقوق لصالح الجماعة المسيحية والأقليات بصورة عامة وصولاً إلى عامة الشعب العراقي الأسير في قراره وحياته ومصيره. فالبلد عانى ومايزال من ذات الدائرة الحرجة من فقدان السيادة والاستقلالية وغياب الحكمة وغيرة الرسالة ناهيك عن الحاجة إلى تعزيز الانتماء الوطني قبل أية هوية أخرى عقائدية طوباوية ناقصة أو قومية -عرقية ساديّة غير نافعة لا تبني بقدر ما تهدم وتشتّت وتدمّر. بهكذا مصائب وقعت بلاد ما بين النهرين بين أصوات تنتهج شعائر وشعارات بالية لا تتوافق مع العصرنة والحداثة واخرى تلهث وراء مصالحها ونزواتها وتلفيقاتها التي لا تمتُّ للتاريخ وحقيقته بصلة. وليست الجماعة المسيحية ورجالاتُها في استثناء عمّا يحصل!