حرب الهيمنة الأمريكية ضد إستراتيجية الإستنزاف الإيرانية
قتيبة آل غصيبة
يُعد مفهوم «الهيمنة السريعة» أو ما يُعرف عسكرياً بـ «الصدمة والترويع» أحد أبرز التحولات في الفكر الاستراتيجي الأمريكي بعد الحرب الباردة؛ وهو ليس مجرد تكتيك عسكري بل محاولة لإعادة تعريف طبيعة الحسم في الحروب الحديثة؛ (إذ لا يكون الهدف تدمير العدو مادياً فحسب؛ بل شلّ إرادته نفسياً وإدراكياً قبل أن يتمكن من الرد)، إن هذا المفهوم صاغه بشكل منهجي الباحثان العسكريان الأمريكيان «هارلان أولمان؛ مدير برنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، و»جيمس ويد؛ الكاتب والخبير العسكري؛ ت: 2017»؛ في دراسة صادرة عام 1996 عن جامعة الدفاع الوطني الأمريكية: (حيث قدّما نظرية «الهيمنة السريعة» بوصفها نموذجاً ثورياً يعتمد على استخدام قوة ساحقة؛ وسرعة فائقة؛ وتفوق معلوماتي؛ بهدف إحداث حالة من الانهيار الشامل في وعي الخصم تجعله عاجزاً عن اتخاذ القرار أو الاستمرار في القتال .)
ركائز اساسية
يقوم هذا المفهوم على أربع ركائز أساسية تتمثل في: (المعرفة شبه الكاملة بساحة المعركة والعدو؛ والسرعة الزمنية في تنفيذ العمليات؛ والدقة العملياتية العالية؛ والسيطرة شبه المطلقة على المجال العملياتي؛ بما في ذلك الفضاء المعلوماتي والنفسي) ، والغاية النهائية ليست فقط تدمير القدرات العسكرية؛ بل: (التأثير في «إرادة العدو وإدراكه» بحيث يقتنع بأن المقاومة بلا جدوى؛ وهو ما يعكس امتداداً حديثاً لأفكار تقليدية لدى مفكرين مثل؛ « القائد والمفكر العسكري الصيني صن تزو؛ ت: 496 ق. م ؛ و» القائد والمفكر العسكري الالماني كلاوزفيتز؛ ت: 1831م « حول مركزية كسر إرادة الخصم؛ لكن بأدوات تكنولوجية وإعلامية متقدمة .
وقد وجدت هذه العقيدة تطبيقها الأشهر في غزو العراق عام 2003؛ إذ اعتمدت الولايات المتحدة على ضربات جوية كثيفة وسريعة لإحداث شلل في القيادة العراقية؛ إلا أن التجربة كشفت حدود هذا المفهوم؛ حيث نجحت العمليات في إسقاط النظام بسرعة لكنها فشلت في تحقيق استقرار طويل الأمد؛ ما أثبت: (أن «الهيمنة السريعة» قد تنجح تكتيكياً وتفشل استراتيجياً عندما يتحول الصراع إلى تمرد طويل أو حرب غير تقليدية؛ فهذا التناقض دفع كثيراً من المحللين إلى التشكيك في كفاية القوة النارية وحدها لتحقيق النصر السياسي.
في الحرب الجارية منذ أسابيع بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى؛ يبدو أن هذا المفهوم عاد إلى الواجهة ولكن بصيغة أكثر تطوراً وشدة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الضربات الجوية الأمريكية والصهيونية في الأيام الأولى تجاوزت من حيث الكثافة ما جرى في العراق عام 2003؛ مع استهداف آلاف المواقع خلال فترة قصيرة جداً، كما أن العمليات للكيان الصهيوني السابقة ضد إيران وُصفت بأنها تطبيق «نموذجي للصدمة والرعب» من حيث السرعة والتزامن وشلّ مراكز القرار، فالرهان الأمريكي–الصهيوني هنا واضح: (تحقيق انهيار سريع في بنية النظام الإيراني أو دفعه إلى القبول بشروط سياسية عبر صدمة عسكرية ونفسية مركزة.) لكن في المقابل، فإن إيران طورت عقيدة مضادة تقوم على ما يُعرف بـ» الدفاع الفسيفسائي (المتنوع) اللامركزي» : (وهي استراتيجية تهدف إلى امتصاص الضربة الأولى بدل الانهيار أمامها؛ من خلال توزيع مراكز القوة وعدم الاعتماد على قيادة مركزية يمكن استهدافها؛ إضافة إلى تبني حرب استنزاف طويلة تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيرة؛ والضغط الاقتصادي مثل تهديد الملاحة في مضيق هرمز)، هذه المقاربة تعكس فهماً عميقاً لنقاط ضعف «الهيمنة السريعة»؛ إذ تفترض: ( أن العدو سيحاول تحقيق حسم سريع؛ وبالتالي فإن إطالة أمد الحرب بحد ذاته يُعد وسيلة لإفشال استراتيجيته.)
من زاوية موازين القوة، فإن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يمتلكان: ( تفوقاً ساحقاً في التكنولوجيا العسكرية؛ والسيطرة الجوية؛ والاستخبارات؛ والدقة في الضربات، وهو ما يجعلها قادرة على إحداث دمار واسع خلال وقت قصير، وهو جوهر «الصدمة والرعب»)، لكن نقاط ضعف هذا المعسكر تكمن في: (حساسيته للخسائر الطويلة؛ واعتماده على تحقيق نتائج سريعة؛ إضافة إلى محدودية فعاليته في مواجهة حرب غير تقليدية ممتدة)، في المقابل؛ فإن إيران تعاني من: (ضعف في القوة التقليدية مقارنة بخصومها؛ لكنها تراهن على العمق الجغرافي؛ والكثافة البشرية؛ التماسك ألايديولوجي الديني؛ والقدرة على التحمل؛ واستخدام أدوات غير متماثلة قادرة على إلحاق أذى اقتصادي عالمي يفوق كلفتها العسكرية المباشرة؛ وهو ما يجعلها لاعباً خطيراً رغم ضعفها النسبي.)
عموما فإن جوهر الصراع الحالي ليس عسكرياً بحتاً؛ بل هو صراع بين نموذجين: (نموذج «الحسم السريع» الذي تمثله الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ونموذج «الاستنزاف الطويل» الذي تمثله إيران)، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن: (النجاح العملياتي الأمريكي لا يضمن تحقيق نصر استراتيجي إذا لم ينهِ قدرة إيران على الاستمرار؛ إذ إن معيار النجاح الحقيقي في الحروب الحديثة هو» انهيار إرادة الخصم» وليس عدد الأهداف المدمرة؛ بينما تشير تحليلات أخرى إلى أن واشنطن قد تكون دخلت الحرب دون استراتيجية متكاملة؛ في حين تبدو إيران أكثر وضوحًا في أهدافها طويلة المدى .)
آراء المؤرخين
أما عن مآلات هذه الحرب، فإن آراء الكثير من المؤرخين والمفكرين الاستراتيجيين تميل إلى: (الحذر فالتاريخ الحديث يبيّن أن الحروب التي تبدأ بصدمة قوية لا تنتهي بالضرورة بسرعة؛ بل قد تتحول إلى صراعات مفتوحة إذا فشل الطرف المهاجم في ترجمة تفوقه العسكري إلى واقع سياسي مستقر)، ومن هذا االمنظور؛ فإن الغلبة لن تُحسم فقط في سماء المعركة بل في عامل الزمن: (فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض انهيار سريع؛ فستكون الغلبة لها وفق منطق “الهيمنة السريعة”؛ أما إذا استطاعت إيران امتصاص الضربة وتحويل الحرب إلى استنزاف طويل متعدد الجبهات؛ فإن ميزان القوة قد يميل تدريجيًا لصالحها أو على الأقل يمنع خصمها من تحقيق نصر حاسم) ، وفي ضوء المعطيات الحالية؛ يبدو أن الحرب مرشحة لأن تكون اختباراً تاريخياً لحدود مفهوم «الهيمنة السريعة» ذاته؛ وربما نقطة تحول في فهم طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين.
والله المستعان...
□ خبير عسكري