فائض الموظفين في العراق.. عبء على الموازنة أم طاقة مهدورة؟
حازم محمود حميد النعيمي
يتم الحديث يوميا في الاعلام وفي الاروقة الحكومية والبرلمانية عن عبء العدد الكبير للموظفين الحكوميين الذي تجاوز خمسة ملايين موظف وهو رقم كبير جدا قياسا بعدد السكان وحجم الاقتصاد، وكيف ان هذا العدد يكلف اكثر من ستين بالمئة من الموازنة العامة للدولة. ويتم دائما تحميل هذا العدد الكبير من الموظفين مسؤولية تدهور الاقتصاد وضعف المشاريع الاستثمارية وسوء الخدمات في البلد. نعم هناك آلاف الموظفين لا يجدون حتى مكتبا أو مكانا للجلوس في دوائرهم، بسبب عدم الحاجة الفعلية لهم مما يضطر بعض الوزارات الى تحديد يومين او ثلاثة في الاسبوع لحضورهم كاجراء اداري لمتابعتهم فقط وليس لاداء مهام معينة. وهذا الامر ينطبق ايضا على العدد الكبير للقوات الامنية في وزارتي الدفاع والداخلية وغيرها بعد انتهاء المعارك والعمليات الحربية ضد تنظيم داعش الارهابي. بالتأكيد لا يمكن لاحد ان ينكر وجود هذه البطالة المقنعة في القطاع الحكومي.
تسجيل عقاري
ولكن من ناحية اخرى نواجه حقيقة صادمة وهي انه ما تزال خدمات أساسية تمس حياة المواطن اليومية في القطاع الحكومي، مثل التربية والصحة والبلديات والتسجيل العقاري والمحاكم والتقاعد والمصارف وغيرها، تعاني ضعفا واضحا وبطئا في الإنجاز. وتجد الطوابير الطويلة على ابواب هذه الدوائر من الساعات الاولى للعمل الى نهاية الدوام الرسمي. وما زال المواطن في بعض الدوائر ينتظر اياما طويلة وبعض الاحيان اسابيع او اشهر لانجاز معاملته. بالاضافة الى ذلك، تستمر ظاهرة لجوء المواطن في بعض الاحيان الى الرشوة او الواسطة لانجاز معاملته في العديد من المؤسسات الحكومية والا سيواجه عملية تاخير وعرقلة متعمدة. وهناك الكثير من المدارس وخصوصا في الاقضية والنواحي تعاني من اكتظاظ صفوفها بالتلاميذ بسبب قلة كوادرها التدريسية والادارية مما يجبرها لجعل ساعات الدوام لساعتين او ثلاثة فقط.
هذه المفارقة الغريبة تكشف حقيقة بسيطة وهي ان الخلل ليس في عدد الموظفين، بل في مكان وجودهم وطبيعة عملهم وطريقة استثمارهم بطريقة صحيحة. هذا فشل واضح وكبير في ادارة هذه الموارد البشرية في المؤسسات الحكومية. هناك مؤشر عالمي اسمه «الكفاية في الخدمة المدنية» والذي تعتمده مؤسسات عالمية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD والذي يقيس اداء موظفي الخدمة المدنية ويعتمد على مؤشرات واضحة مثل زمن إنجاز المعاملة وعدد المعاملات لكل موظف وساعات العمل الفعلية يوميًا وكلفة المعاملة الواحدة ونسبة المعاملات المتأخرة ورضا المواطن عن سرعة الخدمة فنجد ان الموظف العراقي لا يتجاوز معدل ساعات عمله الفعلية اكثر من 20 دقيقة يوميا بينما في سنغافورة وهي الاعلى بالعالم فهي 7 من اصل 8 ساعات عمل يوميا وفي الامارات 6 ساعات وهذا انعكس على مؤشر رضا المواطن عن الخدمات Citizen Satisfaction Index والذي يتجاوز 90 بالمائة في اغلب القطاعات الحكومية في هذه البلدان. بالاضافة الى ذلك لا نجد اسم العراق اصلا في مؤشر سرعة انجاز المعاملات الحكومية Public Service Delivery Time الذي تعتمده الكثير من دول العالم لانه حتما سيأتي في ذيل القائمة. فمثلا تأسيس شركة تجارية في كندا مهما كان حجمها يستغرق نصف ساعة فقط وفي الامارات ساعة او ساعتين بينما في العراق يضطر المواطن او المستثمر الى تكليف محامي لمتابعة معاملته في دائرة مسجل الشركات ويستغرق الامر اسابيع او اشهر. واصدار اجازة البناء في السعودية يستغرق يوما واحدا فقط بينما في العراق اياما طويلة بالاضافة الى استعانته بالاصدقاء والاقارب وهكذا مع بقية المعاملات الحكومية. اين موقع العراق في هذه المؤشرات العالمية مع هذا العدد الكبير من الموظفين بينما تتسابق دول العالم للتنافس لتحقيق مستويات متقدمة في هذه المؤشرات وعدد موظفيها اقل بكثير مما لدينا؟
تقاعد قسري
هناك دول كثيرة واجهت المشكلة نفسها، ووجدت حلولا عملية بعيدا عن التسريح أو التقاعد القسري للموظفين الفائضين. ففي الهند طُبق نظام اسمه Scheme for Redeployment of Surplus Employees ويقوم على مبدأ نقل الموظف الفائض إلى مؤسسة حكومية أخرى تحتاج خدماته، مع الحفاظ الكامل على راتبه ودرجته وحقوقه الوظيفية. وفي أيرلندا طُبق نظام مشابه ضمن إطار الخدمة المدنية، حيث تُعطى الأولوية للموظفين الفائضين في شغل أي وظيفة شاغرة قبل القيام بتعيينات جديدة. أما في كندا، فقد اعتمدت الحكومة نظاما أوسع يعرف باسم Workforce Adjustment وهو إطار ينظم نقل الموظفين الحكوميين وإعادة تأهيلهم وإيجاد وظائف بديلة لهم داخل القطاع العام قبل التفكير بأي إجراء آخر مثل احالتهم للتقاعد. هذه الافكار اصبحت جزءا طبيعيا من إدارة الموارد البشرية الحكومية في الدول المتقدمة.
ومع اقتراب تشكيل حكومة جديدة في العراق تبرز فرصة حقيقية لتطبيق نموذج مشابه بصيغة عراقية واضحة. البداية يجب أن تكون بقرار مركزي قوي، من خلال توجيه رسمي يصدره رئيس مجلس الوزراء باعتباره المسؤول الاعلى عن السياسة العامة للدولة إلى جميع الوزراء والمديرين العامين، يطلب فيه حصر الفائض الوظيفي في مؤسساتهم بدقة وخلال مدة زمنية محددة. ويكون المعيار الاساسي في الاجراء هو الإبقاء على الموظفين الذين لديهم إنتاجية فعلية او عمل حقيقي لا يقل عن ست ساعات عمل يوميا، وتصنيف بقية الموظفين ضمن قوائم «فائض يمكن إعادة توزيعهم». ويتحمل الوزير أو المدير العام المسؤولية القانونية الكاملة عن صحة هذه البيانات لكي تكون بعيدة عن المجاملات والمحسوبية وقد يخسر المسؤول الاعلى وظيفته في حال عدم دقة التقييم في مؤسسته. وبعدها يمكن تأسيس هيئة مختصة بهذا الموضوع تقوم بجمع هذه البيانات وتصنيف هذه الكوادر المعطلة حسب الاختصاص والخبرة. ويمكن ايضا لمجلس الخدمة الاتحادي ان يقوم بهذه المهمة التي ستساهم في عمل نقلة نوعية في بلدنا.
ومن المقترحات الجوهرية ضمن هذا المشروع، إعادة النظر في طبيعة العمل داخل وزارتي الداخلية والدفاع والمؤسسات الامنية الاخرى. فمن الخطأ المهني والإداري أن يقوم ضابط أو عسكري بمهام إدارية بحتة يمكن أن يؤديها موظف مدني كما هو الحال في دوائر الأحوال المدنية والجوازات وإجازات السوق ودوائر التقاعد العسكري فهذه خدمات ادارية معمول بها في جميع دول العالم حتى داخل الوزارات الامنية. وبذلك يمكن نقل الاف الموظفين من وزارات اخرى الى الوزارات الامنية لاداء هذه المهام الادارية بينما سيتفرغ الاف الضباط والمراتب لاداء مهام امنية لان الدولة انفقت عليهم سنوات طويلة في التدريب والاعداد لاداء مهام عسكرية وامنية بحتة. ويمكن ايضا استثمار هؤلاء الضباط في محاربة ظاهرة الفساد والرشوة في دوائر الدولة.
بدلا من عملهم الحالي كطابعيين او اداريين من خلال استغلال خبرتهم الاستخبارية وتقصي الجريمة قبل حدوثها. ويمكن ايضا الاستفادة من تجارب دول كثيرة في استثمار العدد الكبير في القوات المسلحة بعد انتهاء الحروب ومعارك محاربة الارهاب في مشاريع تنموية واستثمارية من خلال تشغيل واستخدام عناصر القوات المسلحة في أعمال مدنية وفي تأسيس وإقامة مشاريع كبيرة كالجسور والأنفاق والمطارات والموانئ والطرق السريعة، الأمر الذي يؤدي إلى النمو الاقتصادي الإيجابي في إطار عمل الاقتصاد العسكري.
ومن المقترحات في معالجة مشكلة المدارس هو اعتماد الدوام الكامل بنظام فترتين في المدارس الحكومية فيكون الدوام الأول من الساعة السابعة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا والدوام الثاني من الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساءً، بكادر مختلف تماما من تدريسيين واداريين وليس كما يحدث الان في بعض المدارس يكون الدوام المسائي او الظهري لمدة ساعتين او ثلاثة فقط. يمكن نقل الاف الموظفين من حملة الشهادات من كليات التربية والاداب والعلوم للعمل في التدريس. وهذا الاجراء من شأنه ان يساهم مؤقتا في تحقيق العدالة التعليمية ورفع مستوى التعليم دون الحاجة الفورية لبناء مدارس جديدة.
ويمكن ايضا اعتماد فكرة الدوام الصباحي والمسائي لجميع المؤسسات الحكومية التي تقدم خدماتها للمواطنين مباشرة وتتطلب مراجعتها وهذا الاجراء سيقلل الزخم ويزيد من كفاءة عمل الدوائر الحكومية. فمن الدوائر التي تحتاج الى زيادة ساعات عملها دوائر التسجيل العقاري والمصارف الحكومية والجوازات والاحوال المدنية ودوائر وزارات العدل والصحة والعمل والشؤون الاجتماعية وامانة بغداد وكافة المحاكم. وكل هذه الدوائر تعاني من زخم كبير من المراجعين يوميا وتاخير في انجاز المعاملات.
وكذلك من السهل استغلال وفرة القوى العاملة الحكومية في تشغيل مئات المصانع المتلكئة التابعة لوزارة الصناعة. ففي دول كثيرة يُعد نقل الموظفين للعمل في المصانع الحكومية جزءا من سياسات Redeployment to State-Owned Enterprises، وهو ما يحوّل الرواتب من عبء مالي إلى إنتاج حقيقي يدعم الاقتصاد الوطني ويقلل الاستيراد. يمكن ان نسأل هنا كم عدد المهندسين والفنيين الكفوئين واصحاب اختصاصات مختلفة في الوزارات والمؤسسات الحكومية ممن ليس لديهم اي مهام هندسية او حتى ادارية؟ اكاد اجزم انهم بعشرات الالاف تم اهمالهم ولم تستثمر هذه الطاقات الكبيرة التي انفقت عليهم الدولة ملايين الدولارات لتدريبهم في الجامعات والمعاهد.
واخيرا، من اجل تنفيذ هذه الافكار لا بد من طمأنة الموظفين بان هذا الاجراء لن يؤدي أبدا إلى خفض راتب أي موظف بل قد يسهم في حصوله على مخصصات أو حوافز إضافية إذا كان أداؤه متميزا في موقعه الجديد. كما أن هذا الانتقال مؤقتا لعدة سنوات، ويخضع للتقييم الدوري، وليس نقلا دائما أو عقوبة كما ان الموظف سيبقى على ملاك وزارته الاصلية لكي لا يفهم هذا الاجراء بانه استهداف لموظفين في جهات معينة وانما هو أداة إصلاح حديثة استخدمتها دول كثيرة بنجاح. وإذا أحسنت الحكومة العراقية الجديدة تطبيقها بجدية وشفافية، فإن تسريع إنجاز المعاملات وتحسين التعليم والخدمات وتشغيل المصانع المتوقفة سيصبح واقعا ملموسا يشعر به المواطن في حياته اليومية، لا مجرد وعود تكرر في الخطابات.
وباختصار فان الموظف الفائض ليس مشكلة بحد ذاته بل المشكلة في تركه دون عمل حقيقي. ان تحويل فائض الموظفين من مشكلة إلى حل ليس شعارا بل خطوات عملية يمكن تنفيذها إذا توفرت الإرادة والقرار.
هذه المقالة مجرد افكار وتحتاج الى دراسة تفصيلية ضمن اطار السياسة العامة لمعرفة التحديات والعوائق لتحسين الاداء الحكومي.
مدير عام دائرة البحوث والدراسات – رئاسة الجمهورية