الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في فنّ الاختزال ومعنى اللحظة


الهايكو والسوشي فلسفة الجمال المكثّف في الثقافة اليابانية

قراءة نقدية في فنّ الاختزال ومعنى اللحظة

عبد الكريم الحلو

 

تمهيد سردي لتجربة الاكتشاف :

من الصمت إلى المعنى :

كيف قادني الهايكو إلى فلسفة الجمال

----------------------------------

* لم أصل إلى الهايكو بوصفه شكلًا شعريًا،  بل صادفتُه كمن يعثر على صمتٍ يتكلّم.

 

* كان ذلك في لحظة عابرة لا تصلح لأن تُروى كثيرًا : نافذة مفتوحة، ضوءٌ خفيف يتسلّل بلا استئذان، وفكرة تقول إن بعض الجمال لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يُقنعك بوجوده.

 

* هنا، أدركتُ أن اللغة قد تكون أقل كلامًا وأكثر معنى ، قادني الفضول أولًا، ثم قادني الإنصات.

 

* كنت أبحث عن قصيدة، فإذا بي أجد فلسفة حياة ؛ ثلاث شطرات لا تسعى إلى الإدهاش، بل إلى الصدق، ولا تلاحق العاطفة، بل تتركها تمرّ مثل ظلّ طائر على ماء هادئ.

 

* شعرتُ أن الهايكو لا يُكتب، بل يُلتقط، كما تُلتقط لحظة صفاء قبل أن يعكرها الفكر ، ومن باب الشعر، وجدتني أصل إلى المائدة اليابانية ، قطعة سوشي صغيرة، مصنوعة بعناية ناسك، تقول ما قاله الهايكو قبلي : لا إفراط، لا زينة، لا استعجال.

 

* عندها فهمت أن الثقافة اليابانية لا تفصل بين الجمال الذي يُؤكل والجمال الذي يُقرأ، وأن الذائقة حين تُهذَّب تصبح فلسفة.

* هنا قررت الكتابة

* لا بدافع المقارنة

* ولا بنيّة النقل

* بل بدافع السؤال :

 

هل يمكن للجمال المكثّف

أن يعيش في لغتنا ؟

 

وهل تستطيع العربية، بكل حرارتها وبلاغتها، أن تُصغي إلى همس الطبيعة دون أن ترفعه إلى خطاب ؟

 

* من هذا السؤال وُلد النص ، لا بوصفه درسًا في الهايكو، بل محاولة لفهمه، ولمساءلة علاقتنا نحن بالجمال حين يكون صغيرًا، عابرًا، وصامتًا.

 

* كتبتُ لأن الهايكو علّمني أن بعض المعاني لا تُنال بالشرح، بل بالاقتراب الهادئ …خطوةً، ثم صمتًا .

 

* ليس من المصادفة أن ترتبط في الذاكرة اليابانية قصيدة قصيرة لا تتجاوز ثلاث شطرات مع قطعة طعام صغيرة مصنوعة من أرزٍّ مضغوط وسمكة طازجة.

* فالهايكو والسوشي ليسا مجرد شكلين أدبيًّا وغذائيًّا، بل هما منظور كامل للحياة يقوم على:

* البساطة

* الدقّة

* احترام اللحظة العابرة.

 

الهايكو… صوت الطبيعة في ثلاثة أسطر

------------------------------------

* يُعد الهايكو أكثر أشكال الشعر الياباني تكثيفًا.

* إنه محاولة لالتقاط لحظة كونية خاطفة:

* هطول مطر، رفّة جناح، ظل يعبر، أو ضوء ينكسر.

 

* جمال الهايكو أنه لا يشرح ولا يفسّر، بل يُشير… ويدعو القارئ إلى المشاركة في صناعة المعنى .. هو فنّ الإمساك بـ “الآن” قبل أن يتلاشى ، وهكذا عاش كبار شعرائه : باشو، إيسّا ، بوسون ، مؤمنين بأن تأمل الطبيعة طريقٌ مباشر إلى معرفة الذات.

 

السوشي جمال يُؤكل وبلاغة تُصاغ باليد

-----------------------------------

* السوشي… أناقة الذوق وبراعة اليد  السوشي ليس وجبة معقدة كما يبدو، بل هو فن هندسي دقيق.

* وراء قطعة صغيرة منه يوجد :

* اختيار ماهر للسمك

* توازن محكم في قوام الأرز

* انسجام بين اللون والطعم

* احترام عميق للنقاء والبساطة

 

* وكما في الهايكو  ، لا شيء زائد… ولا شيء ناقص ، فكل لمسة محسوبة، وكل حركة أشبه بكتابة شاعرٍ لقصيدته.

 

السر المشترك :

فلسفة “وا-سابي” Wabi-Sabi

-----------------------------

* تقوم الثقافة اليابانية على فلسفة تقول: الجمال في البساطة، العمق في التفاصيل الصغيرة، والاكتمال في الناقص.

 

* ومن هنا يلتقي الهايكو بالسوشي في نقطة واحدة:

- كلاهما يحتفي باللحظة.

- كلاهما يحترم الطبيعة.

- كلاهما يسعى إلى الجوهر دون ضجيج.

- الهايكو يمنحك ومضة معنى،

- والسوشي يمنحك ومضة نكهة،

- وبينهما تنسجم الحواسّ والروح.

 

* الهايكو والسوشي… درسٌ في كيفية العيش تقدّم التجربتان اليابانيتان رسالة عميقة:

* أن نرى الجمال في الصغير

* أن نبطئ خطواتنا في عالم سريع

* أن نصغي للطبيعة

* وأن ندرك أن القليل قد يكون أعمق من الكثير

* إنهما دعوة إلى الانتباه والامتنان، وإلى القبض على الهدوء الهارب وسط صخب اليوم.

 

هل يتصالح الهايكو مع الشعر العربي ؟

----------------------------------

1. من حيث الشكل نعم يتناسب مع

 العربية التي عرفت أشكالًا قصيرة منذ القديم:

 • حكمة بيت واحد

 • المقاطع الأموية

 • ومضات الحداثة

 • الشعر الحر القصير

 

لذلك من حيث الإيجاز،

فالهايكو قريب من الذائقة العربية.

 

2. من حيث الفلسفة :

 هنا يبدأ الاختلاف،

الهايكو الياباني يقوم على:

1. ظاهرة طبيعية

2. لحظة تأمل

3. غياب العاطفة المباشرة

 

بينما الشعر العربي يقوم على:

    - العاطفة

    - البيان

    - المجاز الكثيفه

    - التصريح لا الإيحاء

 

ولهذا يحتاج الهايكو العربي إلى تهذيب الصوت العاطفي ليقترب من روحه الهادئة.

 

ما مدى مقبوليته في العالم العربي نقديًا :

-------------------------------------

ما زال الهايكو موضع جدل:

البعض يعدّه دخيلًا

البعض يراه شكلًا عالميًا يمكن تكييفه

 

ومع الوقت أصبح أكثر حضورًا وتقديرًا.

جماهيريًا ، أحبه القرّاء لأنه:

    - قصير

    - سريع التلقّي

    - يمنح “دهشة خاطفة

    - مناسب لمنصات التواصل

لكن يظل الخلط قائمًا بين الهايكو الحقيقي والـ ومضة العادية.

 

شروط تَوطين الهايكو في اللغة العربية :

----------------------------------

شروط نجاح الهايكو فالادب العربي

1. العودة إلى جذوره

 (الطبيعة – اللحظة – الصورة الهادئة).

2. الابتعاد عن الهايكو المزيّف (الحكمة الوعظية – العاطفة الزائدة).

3. الحفاظ على روح العربية دون مبالغة بلاغية.

4. كتابة اللغة المكثّفة لا الشرحية.

 

لماذا لم ينجح الهايكو في الوطن العربي؟

-------------------------------------

* لم يفشل الهايكو في الوطن العربي لأنه غريب، بل لأنه هادئ في بيئة اعتادت ارتفاع الصوت ، فثقافتنا الشعرية، عبر قرون طويلة، تشكّلت على الفصاحة والبيان، وعلى الامتلاء العاطفي والتدفّق الخطابي، حتى صار الشعر عند المتلقي فعلَ انفعالٍ أكثر منه لحظة تأمّل.

 

* الهايكو، في جوهره، لا يقدّم فكرة جاهزة ولا عاطفة مصاغة، بل يكتفي بالإشارة، ويترك للفراغ أن يقول ما لا تقوله الكلمات ، وهذا الفراغ نفسه هو ما يربك الذائقة العربية التي تبحث غالبًا عن الوضوح، وعن المعنى المكتمل، وعن الجملة التي تُقنع وتُدهش في آن.

 

* كما أن الهايكو العربي تعثّر بسبب سوء التلقّي وسوء الممارسة معًا؛ فتمّ الخلط بينه وبين الومضة السريعة، أو الحكمة المبتورة، أو الخاطرة المختزلة، فغابت عنه عناصره الجوهرية: الطبيعة، اللحظة، الحياد العاطفي، والاقتصاد الصارم في اللغة. وبدل أن يُنقَل بوصفه فلسفة رؤية، نُقل في كثير من التجارب بوصفه قالبًا شكليًا.

 

* يضاف إلى ذلك أن الهايكو يحتاج قارئًا متأنّيًا، بينما يعيش المتلقي العربي اليوم في إيقاع سريع، يفضّل النص القصير لا لأنه عميق، بل لأنه سريع الاستهلاك.

* وهنا يفقد الهايكو شرطه الأساسي: وهو الإنصات.

 

* لذلك، يمكن القول إن الهايكو لم يفشل تمامًا، لكنه لم يجد بعد تربته الثقافية الناضجة.

* نجاحه في اللغة العربية مرهون بتحوّل في الذائقة، وبشعراء يكتبونه بروحه لا بعدد أسطره، وبقرّاء يتعلّمون أن الصمت جزء من النص، وأن القليل أحيانًا أشدّ كثافة من الكثير.

 

    كاتب وناقد أدبي عراقي

 

#محبتي_للجميع


مشاهدات 41
الكاتب عبد الكريم الحلو
أضيف 2026/01/26 - 4:32 PM
آخر تحديث 2026/01/27 - 3:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 20318 الكلي 13527741
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير