الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقولة الملك فيصل ليست سرمدية أو نصاً مقدساً

بواسطة azzaman

مقولة الملك فيصل ليست سرمدية أو نصاً مقدساً

عبد الجبار خضير

 

ثمة نصٌّ يتداوله بعض المثقفين والإعلاميين، بوصفه نصًا سرمديًّا، هو قول الملك فيصل الأول : (في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعدإلخ).

وكأنه نص مسلَّم به نهائي غير قابل لنقاش، راسخ أبدي عن طبيعة المجتمع العراقي!

من يقرأ النص من دون مسح ضوئي، أي يقرأه بتمعن وعمق، بالضرورة سيجد أن كاتبه إما ضليع في علم السوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا، أو شخصية فكرية مرموقة. فمن غير المعقول والمنطقي أن يكون الملك فيصل (رحمه الله) صاحب هذا النص الذي يبدو كأنه دراسة مضغوطة في علم الاجتماع. فالنص يحيلنا إلى كتابات ليفي شتراوس أو إدوارد سعيد، حيث إن صياغته لا تستقيم مع سياقات الواقع الفكري والسياسي والثقافي آنذاك في العراق والبلدان العربية إبان تلك المرحلة التاريخية. والتعامل مع هذه المفاهيم في الواقع العراقي يبدو أمرًا خياليًّا.

فواقع الحال يقول: إنه ليس نصًا خالصًا حرفيًا للملك فيصل، بل هو منتج زمكاني مرتبط بظروفه ودوافع منتجيه أو ما يرمون إليه. ومع إقرارنا أن الملك فيصل يعد من الملوك القلائل الذين يتمتعون بثقافة عامة وحنكة سياسية، ويجيد اللغة التركية والإنجليزية، إلا أن تحصيله العلمي لم يكن أكاديميًا بالمعنى الجامعي. إذًا، من غير المعقول والمنطقي قبولُ فكرةِ أن الملك فيصل قد تمكن من هذه القراءة التشريحية لوحده، وبهذا العمق والدقة في البنية الاجتماعية العراقية، لاسيما في مرحلة تاريخية لم تكن فيها العلوم الاجتماعية منتشرة عربيًّا.

عمومًا، يمكننا القول: إن انطباعات الملك في أثناء زياراته الميدانية، وتفقده لأحوال الرعية، ولقاءاته مع شيوخ العشائر، ولدت لديه تصورات بهذا الشأن. ولما كان محاطًا بجيش من المستشارين والخبراء المتخصصين، حتمًا فيهم من له القدرة على التحليل السوسيولوجي والأنثروبولوجي، وعن طريق الحوار معهم تولدت لديهم هذه القراءة، فصاغوها باللغة الإنكليزية، ثم ترجمت من قبل أكاديمي أو أديب إلى العربية. أو ربما أخذت من الرسائل التي يبعثها السير بيرسي كوكس ومعاونوه إلى الحكومة البريطانية. إذًا، من غير المرجح أن الملك، بأدواته المعرفية التقليدية، كان قد توصّل إلى صياغة أكاديمية بهذه التقانة والأسلوب. وكما هو معروف، ثمة أمر مألوف، أن الكثير من أقوال القادة ورؤساء الدول والملوك يجري تلميعها وتزويقها من قبل ضليع بالأدب أو الفكر أو السياسة.

هنا من الاجحاف ربط النص بالراهن العراقي، فالعراق تعرض لاضطرابات أمنية وانقلابات وحروب وحصار، فضلًا عن المحيط الجغرافي المعادي الذي لا يرى في تعافي العراق مصلحةً له، ودائمًا يراهن على ضعفه وتخلفه. فضلًا عن دور الولايات المتحدة الأمريكية التي لديها قانون يمنع ظهور بناء دولة قوية على المياه الدافئة، أي الخليج العربي، والعراق مرشح مع إيران في هذه الرؤية. ثم إن أمن الخليج مرتبط بالأمن القومي الأمريكي، وغيرها من الأسباب

نرى أن مقولة الملك ليست سرمدية، ومصداق ذلك هو التجربة السياسية الممتدة من ثورة تموز 1958 حتى العام 1979، التي شهدت عملًا دؤوبًا لتحقيق الاندماج الوطني، وبناء مرتكزات التحول الحضاري. إذ لم يكن هناك أي نَفَس طائفي أو عرقي ظاهر للعيان بين العراقيين، كما أصبح العراق يملك تفوقًا على دول الجوار في الصحة والتعليم وتنامي الصناعة والمشاريع الزراعية فيه. حتى حدثت الحرب وما رافقها من كوارث، وتداعيات غزو الكويت، والمد الإسلامي المتشدد، فحدث ما حدث من تغوّل الحس الطائفي الذي تحاول الأحزاب الإسلامية تنميته وإدامته، على العكس من إرادة العراقيين.”

 


مشاهدات 105
الكاتب عبد الجبار خضير
أضيف 2025/08/27 - 2:47 PM
آخر تحديث 2025/08/30 - 9:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 320 الشهر 21597 الكلي 11416683
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير