مركزية المرأة في الإنسانية والوجود عبر" راعي الذود" في جزئه الثاني
أحمد الشيخاوي
في الجزء الثاني من غنائية الشاعر اليمني المبدع رفيق الرضي، المُنتقاة لها عتبة" راعي الذود"، وفق أبعاد ما تحيل عليه من تشظيات ذاكراتية، تستقطب إلى العوالم المحمولة على روح البداوة، تماما مثلما أشرنا إلى ذلك، في مناولة سابقة، حاصرنا بها البعض من متون الجزء الأول من هذه الفسيفساء المسطّرة بأريج اللهجة اليمانية الدالة، والمترعة بتجليات الحكمة والجمال، باعتبار الأبل كائنا لصيق الدلالة بالصحراء، وله من الرمزية والقداسة في عين الإنسان العربي، فوق ما يمكن تصوره.. قلت في هذه الورقة، سوف نخوض في معطيات مفهوم الأنثوي كمركز في الشعرية الضاغطة على صاحبها، الدافعة به إلى الانشغال بهموم إضاءة جوانب العتمة والحياة، في الذات العربية المنكسرة، التي لا تمل ولا تكل من النضال، والثبات أمام واقع الأخطاء السياسية والارتجال الأيديولوجي الجاني على الإنسان والأوطان.
لذا وانطلاقا من الإهداء، يستهل شاعرنا بالسيمفونية المحتفية بالأنثى، فيقول:
إلى حواء، جوهر السعادة، معنى الحياة، رمز العطاء، النور والجمال، الرقة، العذوبة، الوجود، بكِ الحياة وأنتِ الحياة.
من هنا قوة الصوت الشعري في الاحتفاء بالأنثوي، والدفاع الشرس عن مكتسباته، بوصفه، أيضا، ضربا من ذود عن الحياة الآدمية والكونية، في المجمل.
يقول:
(يا شاغِل البال لا تجهل
تركت روحي ولم تسأل
ملكت قلبي فلا تبخل
وأنت تدرِي من أحتلّه
قلبي المولَّه لما تغفل
وأنت يا الزِّين له تحتل
المشكله أنت لي والحل
بعض الدواء داعِ للعلّه
منِّيه بالوصل مهما قل
وكُل تسهِيل له مدخل
وارجُوك يا زِين لا تعجل
تدرِي العجل يوجِب الزلّه
بـالله من زينَّك واكمل
لا زِين غيرك ولا أجمل
تـجُود لي والرضى أفضل
عن كُثر يا زِين أو قِلّه
ما عُدت اقوى واتحمَّل
ولا انتظِر يُوم واتخيَّل
والجمر بين الحنَا يشعل
يا باهِي الحُسن والطلّه
اعمل بقلبي الذي تعمل
واحذر ورُود الهوى تذبل
ما اقدر على فُرقتك وارحل
أما الهوى الصاف أو جلّه (1).
لعل الجميل والمختلف في تجربة الرضي، سواء النبطية أو الفصيحة، ذلكم النفس الملحمي الطويل المترنّم بالأمل على تورّد آفاقه، بالرغم من سوداوية الحياة والراهن الذي لطخته وما تنفك تلطخه البصمة السياسية، مشوّشة على نضارة وجمال فصوله.
هذا الراهن الذي بات ملغوما ومرعبا، وقد زاغ كثيرا، عن نقاط التوازن الإنساني والكوني، مغرّبا الروح، جائرا على معجمها الذي هو من معجم الأنثوي في رخويته، وانتسابه للحياة الإيجابية الكاملة، التي ينشدها القول الشعري في زجليات شاعر، عانى ردحا من الزمن، ولم يزل، من الحياد السياسي، بينما ركّز بالغ اهتمامه على الممارسة الشعرية والأدبية، بل ندر لها حياته بالكامل، وراح يتأمل العالم بقلب نقي هش، مفعم بالأمل والثقة بمستقبل، ليس فقط يمني، بل عربي وإنساني زاهر، وغد أقل جورا، وقمعا للروح الإنسانية الصرفة.
لنتأمل المقطع أعلاه، كي يتبين لنا مدى وعمق تنفس الذات الشاعرة من خلال التصالح التام والواعي، مع الأنثوي، بما يصحح امتحانات الحياة القاسية وغير الرحيمة.
إنها ليلاه، على غرار ما طالعناه له، من ذي قبل، وكيف أن منزلتها لديه، القلب كله، فهي تحتله رمزيا وحسيا، وحسب الدلالة الموجبة التي تجعله يتنفس معاني عشق الحياة والوجود، ما يجديه، كذلك في مناحي أخرى، فيخّول له تحاشي دوائر العلة والاختلالات التي قد تفرضها مشاهد الذبول المحرضة على جلْد الذات، ولعن الحياة بتناقضاتها، بدل فهمها الفهم الحقيقي والانتصار لها، تسلحا بالأمل والاحتماء بالهوية النّاسجة لملامح العالم الموازي أو بالأحرى، العالم البديل، القادر الشعر فقط، ولحده، على صناعة الرمزية المفتقدة التي قد تشد إلى جذر ذاكرتنا وموروثنا العربي المغيّب والمعطّل.
(إذا عاتبت عاتِب بس لا تقسا
واذا أغفلت مرّه بس لا تنسى
أنا دونه بلا شاطي ولا مرسى
وهو يدرِي بحُبِّي له وأشواقي
لا نحزن على ماضي ولا نأسى
وحُبِّي له إذا أصبح وما أمسى
فِدى لاعيانه النجلاء والنعسى
وهو ساكِن من المكنون باعماقي
أنا وِدّي لها صادِق لها أسمى
ووِدّ الزِّين يا راعي الوله أعمى
وكم بُعدك لقلبٍ تسكُنه أدمى
أسطر به حروفي وانت أوراقي
كم أهواه كم أشتاق له واظما
على قلبي هواها والحنَا يهمى
رماني سهم من عينه ولا سمى
له الأنغام والانسام والباقي
ولا ينسى ولا أغفَل ولا استثنى
فؤادي يا مليك الوِدّ ما استغنى
أنت النغم له والرُّوح والمغنى
وأنت الماء له والكاس والساقي
طاب الزهر له والورد والمجنى
على عينِي وحُبِّي فيه لا يفنى
وهو أجمل وهو أبهى وهو أسنى
به آمالي وأحلامي وآفاقي (2).
في سياقات تجريبية، دائما، نلمح له، بعض المحطات التي يطبعها التناص مع المقدس، في استفزاز لجوارح التلقي، وتأطيرها بأسئلة الديني، في ضوء معالجة المغالطات الأيديولوجية، أي استثارة منظومة المعادلات الإنسانية والوجودية القادرة على ملء الفراغات الناجمة عن إكراهات راهن تغريب روح الكائن.
إن الرائج، من منظور مقدّس، أن المرأة محكومة بذاكرة مثقوبة، أي أنها سريعة النسيان، ما يُفسر نعومة القوة لديها، فهي تؤرشف ما ترغب في الاحتفاظ به، فتنسى ما عداه، بالطبع.
ذكر هنا الغفلة، كي يقف الموقف الوسط من الطّرحين، أو المعنيين المجسّمين لهوية الأنثوي في البناء الإنساني والمجتمعي والحضاري.
لقد تفنن في التصوير الذي يقود ويوجه الذهنية والذائقة إلى ما يزاوج في الإحاطة التعبيرية ما بين جمال المرأة وبراءة روحها.
ففي الحقيقة لقد أسر، من خلال شطر: أنا دونه بلا شاطي ولا مرسى"، أي أنه بلاغيا، جاء أو حقق بأسلوبيته القِناعية الإقناعية هذه، المعادل الموضوعي، لمتلازمة الماء والعطش، جنون العشق وفرادته ونموذجيته، مقابل الغرق الوجداني، المانح للحياة ملحها ولذتها وسعادتها.
كما نقتبس له، كذلك، قوله:
(يا جوهر العشق يا معنَّاه
يا من .. مِن القلب .. مكنَّاه
وطاب لي يا هوى مجنَّاه
ضيَّعت عُمري على شانه
كم صدّ قلبي ولا أدناه
إذا نسى عشقنا زِدناه
ما كان أرقه وما أحناه
ما بين قلبي وبُستانه
يرفِق بحاله وكم أضناه
ما كان همّه وما أهناه
وما يرى القلب بيناه
خضـرا وروده وأغصانه
في داخِل الرُّوح أسكناه
قلبي يحبه ويتمناه
القلب يشكو لنا أوهناه
يا جُور عشقه وسجانه
يا خوف قلبي ويا ظناه
إن عافنا الزين ما عفناه
ما نتُرك الزِّين ما خُناه
بِه عز قلبي وسُلطانه
ويا جرح قلبي ويا ونّاه
ما كان أعزه وما أغناه
واليوم تلهو بنا يُمناه
ما بين موجه وشُطآنه (3)
إن المرأة في ما يفرضه واقع عشقها، إنما تمثل مركزا للذات بهذا الخصوص، وضمن أبعاد ما يحيط بها، ويشكل لها الظلال والامتداد.
إنها كونية إنسانية مبنية ومتمحورة على حضور الأنثوي في الأصل.
هنا، عودة إلى رحاب العقَدي، كذلك، تبعا لمدلولات ذاكرة النسيان التي تفجّر في المرأة، في الأنثى، مشاتل الهشاشة التي قد لا تجود بها سوى القصائد، وهذه هي المفارقة الصارخة، والديدن الذي يفترض اعتناقه، في رسم خطى مغامرات خلق المعادلات الإنسانية الراعية لمعاني حياة الأمل والايجابية والاتزان والتصالح والمحبة والسلم، بمعزل عن التباينات الجنسية والعرقية والألسنية والعقائدية.
يقول إنه كلما نسي المعشوق حبه، زاده من النبع، هذا الأخير كمتيم لا يفرّط بخيار الرهان على صبابته، لكأنما يحاول رتق ذاكرة النسيان هذه، والتي تمهر وجود الأنثوي، وتهيئ لأرضية استساغة علله وأعطابه وأخطائه، وإن على مضض.
بالبين المر الحلو، الغائب الحاضر، في آن، يكابد العاشق حياة الخسائر التي هي بطعم الانتصارات، إذ يقول وبكل بكائية، وفي عتاب بأسلوب جد حضاري: يا خوف قلبي ويا ظناه/ إن عافنا الزين ما عفناه.
مثلما يقول:
أنا عشقي لها صبوَه وإسراف
موِدّه طيش له تبجيل واعجاب
غزل عُذري لا نزوَه وإسفاف
سجايا دونها حافِظ وأبواب
مُرادي يا ندى رِقه وإنصاف
رساله نعتذِر فيها للاصحاب
بلاد الوِدّ فيها شور واعراف
ومن يكفُر بها جاهِل وكذاب
بها قلبي مُتيَّم فيه ما خاف
ولولا الحلم في رؤياه بي ذاب
رزين القول متمكِّن وشفاف
ولا همي تأوه فيك وانصاب
منحتَه وعد به للوِدّ أضعاف
بها طامِع لها طامِح ونَّهاب
تملكني تناءَت فيه الاوصاف
معي رؤياه ما أبعَد وما غاب
سقيته وِدّ يا نبع الولَه صاف
وأهديته من الوجدان ما طاب
وجازاني من الهجران أطياف
ولا راجع ضميره بعد أو ثاب
ولم يسأل فؤادي كُل عرَاف
لها روحي تقرَّب منه وارتاب
أنا قلبي تعلَّق ريم الارياف
قراره ما تغيَّر رفض وايجاب (4).
الصياغة بهذه الطريقة لحالة العشق الشاذة هذه، قد تكون والجة في ثقافة أو مفهوم الصعلكة النبيلة، أو سياق العربدة والمجون حتى، لكن يشفع لها، أو يقوم اعوجاجها وانزياحها وانفتها المؤقت، عن الراعي لجوهر الشعرية وتنويع إيقاعات أنسنة سائر العناصر السابحة في فضاءاتها المبطنة بوجع وجودي كبير، ويبرّر ذلك ما صرّح به، وباشره بيت شاعرنا الهامس، إذ يقول: غزل عذري لا نزوه واسفاف/ سجايا دونها حافِظ وأبواب.
وهنا بيت القصيد، في منظومة كل ما هو ضمني، يربّي دوال مركزية الأنثوي، ويغري بمحسّنات بديع ما يشدّ إلى جذورها، ووضاء أنويتها.
العذرية في تجربة ولهٍ صادقة تناطح سماوات الخلود، وتناهض جاذبية الإحباط والانهزامية واليأس، وفق خارطة تلونها الحِلمية في استغراق الخطاب الشعري المحكوم بروح المتمرد الواعي جدا، بواقع الحدود ما بين السياسي على كثرة أوبئته، والوجداني بما ينطوي عليه من نورانية وجمال.
مثلما يقول:
(سباني قلبي المزيُون من مُده
ظننته مزح من طرفه وهو جِده
ترجيته يرِدّه لي ولا ردّه
ألَا يا الله عِين العبد ع الردّه
يا من تملكت آلامي وأحلامي
ومنكُم يا مليح القد إلهامي
ترفَّق دام تعرف مدمعي هامي
أنا يا فاتني باقي على عهده
تركتيني وقلبي نذكُر الماضي
وأنتِ الخصم والقاضي
ومهما تحكمي راضي
ولا اتحـسر على وعده
وكيف انساه واسامح
عدوي وحده الرابح
سباني رمشه الجارح
ترَك قلبي على وجده
ألَا يا خيرة الأحباب
هجرتيني بدون اسباب
فقط عبَّرت عن إعجاب
تركتي عاشقك وحده
أمانه تغفري الزلّه
وقلبي يحسبك أهله
أيَا عشقه ويا خِلّه
بوقت اليُـسر والشِّده (5).
كما لو أنه في نوبة جنون، أو برزخية جذبة، يخصّ خليلته المُلهمة، بالخيرية، هذا العاشق، وهو يجرّ جرا لينكأ جرحه القديم، وأكثر ما قد يستدعي فيه، قواعد وأسس تمثيلات، ذلك، المنفى الطوعي، بامتياز.
هامش:
(1)مقتطف من قصيدة" شاغل البال"، الصفحة7، ديوان" راعي الذود"، الجزء الثاني.
(2)مقتطف من قصيدة" له آفاقي"، الصفحة43، ديوان" راعي الذود"، الجزء الثاني.
(3)مقتطف من قصيدة" جوهر العشق"، الصفحة130، ديوان" راعي الذود"، الجزء الثاني.
(4)مقتطف من قصيدة" إسراف"، الصفحة225، ديوان" راعي الذود"، الجزء الثاني.
(5) مقتطف من قصيدة" قيثارة العشق1"، الصفحة172، ديوان" راعي الذود"، الجزء الثاني.
شاعر وناقد من المغرب