طوفان الأقصى ومستقبل غزة: قراءة تحليلية في أبعاد الصراع وتداعياته
وليد ناجي الحيالي
مقدمة
في السابع من أكتوبر 2023، أطلقت حركة حماس عملية عسكرية مفاجئة أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى"، مستهدفة المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة. وقد شكّلت هذه العملية نقطة تحوّل جذري في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأسفرت عن رد عسكري إسرائيلي واسع النطاق تجاوز حدود ما عُرف في الحروب السابقة. تطرح هذه الأحداث تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل غزة في ظل المعادلات الجيوسياسية المتغيرة.
أولاً: السياق السياسي والاستراتيجي لعملية "طوفان الأقصى"
جاءت العملية في ظل انسداد الأفق السياسي، وتزايد الاستيطان، وتكرار الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، مما فاقم مشاعر الغضب في الشارع الفلسطيني. يرى بعض المحللين أن العملية كانت رداً استراتيجياً على التحولات في الداخل الإسرائيلي، ومحاولة لإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، خصوصاً بعد موجة التطبيع العربي الأخيرة.
وفقًا لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، فإن العملية جاءت في سياق "تآكل الردع الإسرائيلي وتراجع الدعم الدولي للقضية الفلسطينية" (Carnegie, 2023).
ثانياً: الرد الإسرائيلي والتصعيد العسكري في غزة
الرد الإسرائيلي على العملية اتخذ طابعًا انتقاميًا غير مسبوق، تمثل في قصف واسع النطاق للبنية التحتية المدنية والمناطق السكنية، وفرض حصار خانق على القطاع، ما أدى إلى كارثة إنسانية شاملة بحسب تقارير الأمم المتحدة.
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن "الجيش الإسرائيلي ارتكب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب" (HRW, 2023).
ووفقًا لتقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، فإن أكثر من 70% من سكان غزة نزحوا من منازلهم خلال الأشهر الأولى من الحرب.
ثالثاً: الانعكاسات الإنسانية والسياسية
أدت العملية إلى انهيار شبه كامل في البنية الخدمية والصحية في غزة، فضلاً عن تضييق المسارات الدبلوماسية التي كانت مطروحة قبيل التصعيد. كما تسببت الحرب في إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية، وأثارت تساؤلات حول جدوى مسار التطبيع في ظل استمرار الاحتلال.
في المقابل، وجدت حماس نفسها في موقع جديد من التأثير الإقليمي، خصوصًا بعد دخول وسطاء إقليميين ودوليين على خط الأزمة، مثل قطر ومصر والولايات المتحدة.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية لغزة
يمكن تلخيص أبرز السيناريوهات المحتملة لمستقبل غزة بعد "طوفان الأقصى" في ثلاثة مسارات:
1. السيناريو الأمني الإسرائيلي: يتضمن فرض منطقة عازلة داخل غزة، أو إعادة الاحتلال العسكري المباشر، وهو سيناريو مكلف وغير مستدام.
2. السيناريو الإنساني/الدولي: تدخل دولي لإدارة القطاع مؤقتًا بإشراف الأمم المتحدة أو تحالف دولي إنساني.
3. السيناريو الفلسطيني الداخلي: تحقيق مصالحة وطنية تؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تدير غزة والضفة الغربية معًا.
يرى مركز الأبحاث الإسرائيلي "INSS" أن "استمرار الحرب دون أفق سياسي سيقود إلى دور متزايد للقوى الإقليمية والدولية في إعادة هيكلة القطاع" (INSS, 2024).
خامساً: الأخطاء الاستراتيجية لحركة حماس في "طوفان الأقصى"
رغم المفاجأة العسكرية التي أحدثتها عملية "طوفان الأقصى" ونجاحها في كسر منظومة الردع الإسرائيلية، إلا أن العملية لم تخلُ من أخطاء استراتيجية وتكتيكية أثرت بشكل مباشر على نتائجها السياسية والإنسانية، سواء على مستوى الداخل الفلسطيني أو على صعيد العلاقات الدولية. من أبرز هذه الأخطاء:
1. الطابع الدموي للهجوم الأولي: القتل الجماعي للمدنيين واختطاف الرهائن فتح الباب أمام حملة إعلامية ودبلوماسية ضد الحركة.
2. عدم التقدير الكافي للرد الإسرائيلي: أدى ذلك إلى انهيار البنية التحتية في غزة.
3. غياب التنسيق الفلسطيني الداخلي: ما عمّق الانقسام السياسي الفلسطيني.
4. تأثير سلبي على الرأي العام الدولي: أضعف التعاطف العالمي مع الفلسطينيين.
5. رهان خاطئ على تغير المعادلات الإقليمية: حيث لم تتحرك الأطراف الإقليمية كما توقعت الحركة.
يقول الباحث مايكل ميلشتاين من جامعة تل أبيب: "رغم نجاح حماس في كسر المفاجأة، فإنها أخفقت في إدارة مرحلة ما بعد الهجوم سياسياً وإنسانياً" (Milshtein, 2024).
سادساً: انعكاسات الأخطاء على مستقبل حماس والمقاومة الفلسطينية
لقد أدت الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها حركة حماس في عملية "طوفان الأقصى" إلى تداعيات عميقة تتجاوز حدود القطاع، وتهدد مستقبل الحركة السياسي والعسكري، بل وتمس مستقبل مشروع المقاومة الفلسطينية ذاته. ومن أبرز هذه الانعكاسات:
1. تراجع الدعم الدولي للمقاومة.
2. تقليص الحاضنة الإقليمية.
3. استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية.
4. زيادة الضغوط على سكان غزة.
5. تهديد مشروع المقاومة بفقدان البوصلة السياسية.
يقول المحلل السياسي الفلسطيني خليل شاهين: "المقاومة بدون رؤية سياسية واضحة ومشروع وطني جامع، قد تتحول إلى عبء على الشعب بدل أن تكون تعبيراً عن نضاله المشروع" (Shahin, 2024).
خاتمة
لقد شكّلت عملية "طوفان الأقصى" لحظة فارقة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، أعادت صياغة طبيعة الصراع ووضعت غزة في مركز الحدث الدولي. ومع تعاظم التحديات الإنسانية والسياسية، يبدو أن مستقبل غزة سيعتمد على مدى قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء وحدتهم الداخلية، وكذلك على مواقف القوى الدولية من الاحتلال الإسرائيلي وسياساته.
المراجع
1. Carnegie Middle East Center. (2023). Palestinian Resistance and the Collapse of the Peace Process.
2. Human Rights Watch. (2023). Israel/Gaza: War Crimes Investigation Needed.
3. United Nations OCHA. (2024). Situation Report on Gaza.
4. INSS – Institute for National Security Studies. (2024). Strategic Assessment: Gaza After the War.
5. Milshtein, Michael. (2024). Strategic Failures of Hamas.
6. Shahin, Khalil. (2024). Future of Resistance after Gaza War.