(لاي- فاي) الزمان (55)
من وعد بلفور إلى نظيره ترمب
عبد الرضا سلمان حساني
في عدد صحيفة الزمان الصادر في يوم 16 شباط-فبراير-2020، أي قبل أكثر من خمس سنوات، نشرتُ مقالاً بعنوان
( فصول في جغرافية النزاعات والمصالحة)، من أجل التأكيد على وجود أو إمكانية تشكيل عناوين أحداث متفاعلة على الأرض رغم تباعدها الجغرافي وإمتلاكها خصوصيات جيوسياسيّة ومعطيات ديموغرافيّة والتي ظهرت وتظهر بشكل جليّ في منطقة الشرق الأوسط والأقطار العربية. وهذا ليس بغريب، إذْ لم نجد بلداً أرضه أُغتصِبتْ سوى فلسطين ولم نرَ بلداً تعرّض للغزو والإحتلال الأمريكي مثل العراق. وكذلك لاحظنا ماجرى في أقطار عربية وإنعكاسات ماسمّيَ بالربيع العربي على أرضها وشعبها وواقعها السياسي والإقتصادي. ثم نأتي الى مافعله الكيان الصهيوني
(ك ص) في قطاع غزة والضاحية الجنوبية في بيروت من جرائم تدمير وتهجير وعدوان على مناطق في الأراضي السوريّة، وصورة واحدة أو أكثر تغطّي فصولاً من الوصف والكتابة هنا وهناك. ونرى مايحدث في اليمن والسودان وليبيا والحدود ٍ السورية -اللبنانية ومدن الساحل السوري ولربّما نرى بعضاً من التوترات الإقليميّة ذات العلاقة بملفّات فُتحت قبل سنوات ولم تُغلق كالحرب في أوكرانيا والملف النووي الإيراني ومضامينه من جوانب ملحقة وظهور إعلامي لما يسمّى بالمظلّة النووية بين بعض الدول الأورپية. وفي صورة مقابلة وبعدما كانت الزراعة تمثّل، في قطر عربيّ سلّة الغذاء، أصبحتْ السلّة مملوءة بالبارود بدلاً من الغذاء، مع شحّة في الطاقةالكهربائيّة وأوضاع الخدمات في قطاعات مجتمعية كالصناعة والتعليم والقضاء والوضع النقدي لعُملة بعض الأقطار وغيرها. وثمّة ما يستوجب الإشارة له أنّ مايجري في اليمن هو ليس عمليات حارس الإزدهار، فحسب كما يُشار، وإنّما عمليات ورسائل مكمّلة وإطلاقات تنوير وتدوير الى جغرافية بريّة ثانية أو ثالثة وفقاً لما تفرضه متغيرات وثوابت دولية أو إقليمية كما سنرى في قادم الأشهر.
في هذا المقال موضوعان متفاعلان بدون عامل مساعد كما في تفاعلات عناصر الكيمياء، فالعَدُّ تغازلي وربّما تنازليّ حتى وإن لم يكن برزنامة أرقام الأيّام.
سنين طويلة
يمكن أن يتوضح ذلك في تفكيك العقود والسنين الطويلة بينهما، ولكن دون ذكر تفاصيل أحداث وإكتراث على مدى أكثر من قرن من السنين.
وعد بَلفور
في رسالته المؤرخة في 1917/11/2 والتي تضمنت 67 كلمة، كتبَ فيها آرثر جيمس بالفور وزير خارجية المملكة المتحدة أن تكون فلسطين وطناً لليهود. لقد سمّيت بوعد بَلفور والتي جاءت بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية1، وإلاّ كانت أوغندا هو البلد المقترح الثاني، كما يشار في بعض الوثائقيات. وبناءاً على هذا الوعد وأحداث وإتفاقيّات دوليّة ومنها سايكس-پيكو، التي تقاسمت بموجبها بريطانيا وفرنسا أقطاراً عربية كمستعمرات.
ففي العام 1922 حصلت بريطانيا على صك إنتداب في عصبة الأمم آنذاك. وفي العام 1936، إنبثقت ثورة فلسطينية عارمة ضد الإحتلال البريطاني، إستمرّت لحين قيام الحرب العالمية2 حيث شهدت إنتهاء عصبة الأمم وإنسحاب بريطانيا من فلسطين وتركها للإحتلال الصهيوني في يوم النكبة وهو 15 آيار -مايو-1948.
بعد العُملة الرقميّة
شعوب رقميّة!
الذي جرى ومايجري في غزة وماتبعه من نوايا وطروحات لإخراج الشعب الفلسطيني ممّاتبقى من أرضه التي إنتشرت وتزايدت فيها المستوطنات. ففي الضفة الغربية، مثلاً، بلغت مئات منها كما تورد وسائط الإعلام المختلفة. وإنّ عملية توزيع شعبنا العربي في غزة على دول أجنبية بعيدة ووعد الرئيس ترمپ بإعادتهم بعد إعمارها الذي سيستغرق سنيناً، فكأنّما يراد تحويله الى شعب (رقمي) مسجّل ببرامجيات أجهزة الحاسوب دون حقوقه التاريخية والجغرافية والمعنويّة في أرضه ومياهه مثلما تُدرج العُملة الرقميّة. وهنا سؤال، ربّما يفرض نفسه، هل ستكون هذه الفكرة مع شعب غزة فقط، أم ستُعاد لتُطرح في المستقبل لجغرافية جديدة وتدخل فضاء التطبيق؟!
لقد بدأت بوادر خطوات ضم الضفة الغربية الى الكيان المحتل، وهذا ما توقّعناه وقلناه بصراحةحال تسلّم الرئيس ترمپ. ربّما يكون قد أعطى وعداً، مثل نقل السفارة الأمريكيّة الى القدس في فوزه بالرئاسة عام 2016.
لقد أُحتلّ العراق من أجل أن يتوسّع الكيان المحتل دون رادع عربي، ويبقى
(ك ص )بدون حدود رسميّة مؤشرة.
ونعيد القول بأنّه من وعد بلفور الى وعود ترمپ، وتستمر الوعود والوعيد وبعض حكّام العرب ينظرون لمواقعهم وبموااقفهم.
ونرى مايتعرّض له مليون طفل في غزة اليوم من ضغوط حرب عدوانية ونفسيّة ينفذها(ك ص ) وحملات تجويع وتشريد لاتتوقف، فأين هو الضمير لمثل هكذا مصير؟ وما يفطر القلوب ، أنّ
(ك ص ) وبجرائم قصفه للمناطق السكنية والمدنيين في غزة قد محا العديد العديد من أسماء العوائل من سجلاّت النفوس المدنية كضحايا لجرائمه.
وفي الحقيقة أنّ هناك سؤالاً يتبادر الى أذهان المنصفين ومضمونه هو؛ من يقدّم قهوة الضيافة والطعام للوفد الذي يمثل (ك ص ) في جلسات المفاوضات التي تُعقد في عواصم عربية؟ وهل يتذكر المشاركون في مثل هذه الجلسات، يتذكروا الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ في غزة ولبنان؟ لاأعرف من يجرأ على الجواب، أو ربّما تكون الإجابة لدى أناس في جغرافية موازية.
أيّام قادمة
ننتظر لنرى الشَبه والإختلاف بين الرئيس ترمپ 2016 والرئيس ترمپ 2025، وهو معروف بقراراته إمّا نعم أو لا، وخصوصاً بعد إنكفاء العديد من العناوين في المنطقة، ومنها من هو في الطريق الى النأي بنفسه، على مدى الأشهر الماضية أو ماستأتي من أيّام قريبة قادمة. وعلينا أن نتذكر حقيقة فيزيائيّة بأنّ نسبة الطاقة والمادة المظلمة التي لانراها في الكون هي أكثر من تسعين بالمائة ، وكذا هو الحال والنسبة، ربّما، في المخفي والمرئي السياسة إذا ماالمواقف تفصح عنها.
ومن الأحداث أيضاً، ماحصل مؤخراً وهي مشادّة كلامية بين الرئيسين الأمريكي ترمپ والأوكراني في واشنطن، بعد تجانس علاقة في ستراتيجية اللقاءات والتحالف متعدد الأنماط والأشواط. وقد برز عنوان وتعالت قضية المعادن ذات الوفرة في الأراضي الأوكرانية
والحاكمة في تصنيع شرائح وأجهزة الذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات بعد 78 عاماً من تصنيع وفحص أول ترانزستور في أميركا.
أمّا جلسة المصالحة بين الطرفين فقد تمّ الإتفاق أن تكون في جدّة- المملكة العربية السعودية، في مشهد لجغرافية المصالحة.
سطور الختام
رجعنا بعد غياب
وقفنا أمام بيوت فيها أسماء منذ سنين كتبناها فوق الأبواب
لهفة أوجاع فينا
وحقائبنا لاتحمل
إلاّ أدوات ضماد
أيً مسافر
في عتبة الدار بقايا وردة تمزّقت
تفوح بالأتعاب
وبين هادىء وهادر
نامت على الأرض جدران بيوت تحتها مشاعر
تسألُ
هل هتاف أم ضجيج؟هذا الذي يحمله شراع زورق يبحر في الخليج..
(عضو معهد الفيزياء في المملكة المتحدة)