زمان جديد
العشيرة في السلبي والإيجابي
نزار محمود
ما تزال كثير من المجتمعات البشرية، وفي غالبيتها العربية، تحكمها الارتباطات العشائرية. هذه الارتباطات لها تداعياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية ودورها في تشكيل منظومات الأعراف والقيم الأخلاقية، التي تتقدم أحياناً كثيرة على القوانين، لا بل أن المحاكم تعتمد على الصلح في حل كثير من المعضلات وفي شتى الميادين.
وفي العموم فإن العشائر هي تركيبات بشرية اجتماعية تقوم في الغالب على وحدة الدم وترابط النسب وتتفرع عن قبائل وتتكاثر فتشكل ما تسمى بالأفخاذ وغيرها من فروع ثانوية، يقوم عليها رؤساء يرتبطون عرفياً بشيخ العشيرة. وبهذا تشكل العشيرة وفق حجمها ونفوذها وغناها ودرجة ترابطها وأعرافها الملزمة أدبياً واجتماعياً قوة اجتماعية تمتد آثارها الى الحياة السياسية.
ومع تطور الحياة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً يضعف عموماً دور العشيرة في توجيه والتزام أبنائها، لا سيما عندما تكون هناك دولة وطنية ذات سيادة وهيبة وشكيمة بمؤسساتها وقوانينها وتطبيقاتها العادلة والحازمة. وبعكسه يبدأ ينشط دور الترابط العشائري وتسود هوياته ويلجأ أبناء العشيرة للتعاضد والتخادم.
التشكيل العشائري في جوانبه الايجابية:
يأمرنا الخالق عز وجل في شطر آيته الكريمة: “ وتعاونوا على البر والتقوى”، فكم من عسر يصبح يسراً، وكم من محنة يجري التغلب عليها وتجاوزها في هذا النمط من التعاون الإنساني الطاهر، الذي يمكن أن تلعبه العشيرة الطيبة والبارة بين أبنائها.
إن هذه الأدوار يمكن أن تجد تطبيقاتها في المجالات التالية:
-عون معيشي أو اقتصادي
-توجيه اخلاقي وتربوي ووطني
-حل المشاكل الاجتماعية وزرع روح التحابب والتضامن
-زرع قيم النخوة والشهامة والكرامة
-تعاون في السقي والاستزراع والبناء والإعمار
-التكاتف الإنساني والأخلاقي في اوقات المصائب والملمات أو الحصول على الحقوق المشروعة.
التشكيلات العشائرية في جوانبها السلبية:
وعلى عكس ما ذكرناه من ايجابيات للترابط العشائري، فإنه قد ينزلق في سلبيات إنسانية واجتماعية ووطنية. وهنا نذكر بالشطر الثاني من الآية الكريمة: “ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”. وللإثم هنا أشكال ومجالات كثيرة تصب جميعها في تجاوز حقوق الآخرين وحرياتهم، وهو ما ينهانا الله عنه. فالكسب غير المشروع إثم، والخيانة إثم، والاعتداء على الناس وحريات الآخرين إثم، وهضم حقوق الناس والتجاوز على ممتلكاتهم إثم، والتعاضد على ظلم الضعفاء إثم، وكذلك نصرة أخ العشيرة الظالم إثم.
في الختام لا بد من الإشارة كذلك إلى أن العشيرة كتشكيل اجتماعي يصعب عليها أن تنفرد بحالة مثالية في أعرافها وأخلاقياتها في ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لا تساعدها على ذلك، وحينما تشاهد وتعيش أعراف وتصرفات ومواقف العشائر الأخرى في عصبياتها وتعاضداتها قد شكلت هيمنة واستحوذت على حقوق.
وفي هذه الحال يبرز دور شيخ العشيرة وعقلائها!.