الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق أنموذجاً.. إشكاليات العقل الحر في المجتمعات المغلقة

بواسطة azzaman

العراق أنموذجاً.. إشكاليات العقل الحر في المجتمعات المغلقة

وليد الحيالي 

 

مقدمة

يشكل العقل الحر الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات المتقدمة. فالعقل الذي يفكر، يشك، ويحلل، هو القادر على النقد والتجديد والنهضة. غير أن هذا العقل يصطدم في المجتمعات المغلقة بجدران صلبة من السلطة والعقيدة والعُرف، مما يجعله في حالة صراع دائم مع محيطه. العراق، رغم حضارته الضاربة في القدم، يُعد مثالاً صارخاً على معاناة العقل الحر في بيئة منغلقة. يشير الوردي (1969) إلى أن العقل العراقي يعاني «انفصاماً بين الواقع والمثال، وبين ما يُقال وما يُمارس»، ما يعكس إشكالية مزدوجة للعقل الناقد في بيئة تقمع الاختلاف.

1. تعريف العقل الحر والمجتمع المغلق

يعرف عبد الجبار الرفاعي (2012) العقل الحر بأنه «العقل الذي يملك القدرة على نقد المسلّمات وإعادة النظر في البديهيات التي تُفرض عليه بوصفها حقائق مطلقة». وفي المقابل، يرى كارل بوبر (1945) أن المجتمع المغلق هو الذي يقدّس السلطة ويرفض التعدد والاختلاف، ويحول دون ممارسة التفكير النقدي.

عقل جماعي

ويشير علي الوردي (1969) إلى أن الفرد العراقي غالباً ما يُجبر على «لبس قناع العقل الجماعي»، حيث يُمنع من الخروج عن السائد خوفاً من العزلة أو النبذ أو العقوبة.

2. العراق كنموذج للمجتمع المغلق

عبر تاريخه السياسي الحديث، مر العراق بمراحل من الاستبداد السياسي والفكري، سواء في ظل الملكية، أو خلال حكم حزب البعث، أو في مرحلة ما بعد 2003. يؤكد فاضل الربيعي (2007) أن «السلطة في العراق لم تكن يوماً منتجة للمعرفة، بل كانت تُعيد إنتاج الولاء وتكرّس ثقافة الخوف».

وبحسب عبد الحسين شعبان (2010)، فإن الأنظمة المتعاقبة «قامت بتسييس الثقافة وإخضاع المؤسسات الفكرية لإرادة الدولة أو الحزب أو الطائفة»، مما خلق مناخاً خانقاً للعقل المستقل.

3. قمع العقل الحر: السلطة والمجتمع والدين

يواجه العقل الحر في العراق ثلاث سلطات رئيسية:

- السلطة السياسية: التي تسجن أو تنفي أو تصفي أصحاب الفكر الحر (حالة الكاتب حسن مطلك الذي أُعدم عام 1990).

- السلطة الدينية: التي تفرض نمطاً فكرياً مغلقاً وتتهم العقل الناقد بالزندقة أو الضلال.

- السلطة الاجتماعية: التي ترى في المفكر الحر خارجاً عن «الأعراف»، كما يعبّر عن ذلك الوردي في وصفه للمجتمع العراقي اتقليدي بأنه «يتبنى الطاعة على النقد».

4. التعليم والإعلام: أدوات لإنتاج عقل مغلق

يوضح الرفاعي (2012) أن النظام التعليمي في العراق يرتكز على التلقين لا التحليل، ويحارب الفلسفة والعلوم الإنسانية، مما «ينتج طلاباً يكررون لا يفكرون». كما أن الإعلام العراقي – في معظمه – يعكس توجهات أيديولوجية مغلقة، مما يُقصي النقاش الحر ويُشيطن الفكر المختلف (شعبان، 2010).

5. بارقة الأمل: من الحراك الشعبي إلى الفضاء الرقمي

رغم القمع، ظهرت ملامح تحرر فكري جديدة في العراق:

هيمنة طائفية

- انتفاضة تشرين 2019، التي كسرت الهيمنة الطائفية ورفعت شعارات مدنية تطالب بـ»وطن حر».

- عودة الخطاب الفلسفي والنقدي في صفوف الشباب والمثقفين.

- المنصات الرقمية، التي وفّرت مساحة للتعبير الحر دون رقابة مباشرة.

يرى عبد الحسين شعبان (2021) أن «الحراك الشعبي العراقي يعكس رغبة عميقة في إعادة الاعتبار للعقل، والخروج من أسر العقائد الجاهزة والولاءات العمياء».

خاتمة

تبقى معركة تحرير العقل في العراق معركة طويلة، لكنها حتمية لأي نهضة مستقبلية. فبدون عقل حر، لن تنشأ ديمقراطية حقيقية ولا تنمية مستدامة. والرهان على الأجيال الجديدة هو الأمل الحقيقي، خاصة حين تُفتح أمامها نوافذ المعرفة والحوار.

المراجع

الرفاعي، ع. ج. (2012). الدين والنزعة الإنسانية. بيروت: مركز دراسات فلسفة الدين.

الوردي، ع. (1969). مهزلة العقل البشري. بغداد: مطبعة الأديب.

شعبان، ع. ح. (2010). تحرير العقل من الطغيان. بيروت: دار الفارابي.

شعبان، ع. ح. (2021). الهوية والعقل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات.

الربيعي، ف. (2007). العقل المستقيل في الإسلام. بيروت: دار الطليعة.

Popper, K. (1945). The Open Society and Its Enemies. London: Routledge.

مطلك، ح. (1990). دابادا. بغداد: دار الشؤون الثقافية.

 

 


مشاهدات 236
الكاتب وليد الحيالي 
أضيف 2025/03/26 - 3:33 PM
آخر تحديث 2025/03/31 - 6:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 170 الشهر 19217 الكلي 10580166
الوقت الآن
الإثنين 2025/3/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير