الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ملعب الشعب الدولي .. 60 عاماً في الذاكرة

← بواسطة azzaman

ملعب الشعب الدولي .. 60 عاماً في الذاكرة

من هدية (مستر 5 بالمئة) إلى حكايات لا تنسى

 

النجف - نجم عبد كريدي

ستون عاماً مضت، وما زال ملعب الشعب الدولي في العاصمة بغداد يحتفظ بمكانته الاستثنائية في ذاكرة الرياضة العراقية، شاهداً على أجيال من اللاعبين والنجوم، ومئات المباريات، وعشرات البطولات، وأحداث تاريخية ومفارقات لا تزال طرية وحاضرة في ذاكرة الجماهير العراقية.

ففي السادس من تشرين الثاني عام 1966، أُعلن الافتتاح الرسمي لهذا الصرح الرياضي الكبير، بحضور الرئيس العراقي الراحل عبد الرحمن محمد عارف، لتبدأ حكاية ملعب لم يكن مجرد مساحة خضراء ومدرجات إسمنتية، بل أصبح رمزاً من رموز الكرة العراقية، وواحداً من أبرز المعالم الرياضية في تاريخ البلاد.

من الزعيم عبد الكريم قاسم إلى ميلاد الفكرة

تعود الجذور الأولى لمشروع إنشاء ملعب الشعب إلى سنوات ما قبل ثورة 14 تموز 1958، إلا أن الفكرة أخذت طريقها نحو التنفيذ في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي أعلن عن مشروع إنشاء الملعب في الحادي والعشرين من نيسان عام 1960، خلال خطاب ألقاه في ملعب الكشافة ببغداد. ووُضع حجر الأساس للمشروع في مطلع الستينيات، وتواصلت مراحل البناء خلال عهد الرئيس عبد السلام عارف، حتى اكتمل هذا الصرح وافتُتح رسمياً في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف عام 1966.

من هو كولبنكيان

لا يمكن الحديث عن تاريخ ملعب الشعب دون التوقف عند شخصية رجل الأعمال والمالي كالوست كولبنكيان، المعروف عالمياً بلقب         « مستر 5 بالمئة « ، وهو رجل أعمال بريطاني من أصل أرمني، امتلك خمسة بالمئة من أسهم شركة نفط العراق، الأمر الذي جعله واحداً من أبرز المستفيدين من عائدات النفط في تلك المرحلة. وقد ارتبط اسم مؤسسة كولنبنكيان بتمويل وتنفيذ عدد من المشاريع الخدمية والثقافية والعمرانية في العراق، وكان ملعب الشعب أحد أبرز الصروح التي ارتبطت بهذه الترتيبات. وهكذا لم تكن حكاية الملعب رياضية فحسب، بل حملت في تفاصيلها جانباً من تاريخ العراق السياسي والاقتصادي والنفطي في ستينيات القرن الماضي.

بنفيكا البرتغالي.. ضيف التاريخ في ليلة الافتتاح

في السادس من تشرين الثاني عام 1966، شهد ملعب الشعب كرنفالاً رياضياً كبيراً بمناسبة افتتاحه، عندما التقى منتخب بغداد بنادي بنفيكا البرتغالي ، أحد أشهر الأندية الأوروبية آنذاك، والذي ضم بين صفوفه النجم العالمي أوزيبيو، هداف كأس العالم 1966 في إنگلترا. وانتهت المباراة بفوز بنفيكا بهدفين مقابل هدف واحد (2-1)، بعدما تمكن لاعب منتخب بغداد قاسم محمود، المعروف بـ»قاسم زوية»» ، من تسجيل هدف التعادل، قبل أن يعود النجم أوزيبيو ويسجل هدف الفوز للفريق البرتغالي. كانت تلك المواجهة أكثر من مباراة افتتاحية، فقد مثلت إعلاناً عن دخول العراق مرحلة جديدة في منشآته الرياضية، ووضعت ملعب الشعب على خارطة الملاعب الكبيرة في المنطقة.

عاصفة عام 1969.. عندما طار سقف المقصورة

ولأن التاريخ لا يحمل الأفراح وحدها، فقد شهد الملعب في عام 1969 حادثة غريبة ومؤثرة، عندما ضربت بغداد عاصفة ترابية ورعدية شديدة خلال مباراة جمعت فريقي القوة الجوية ومصلحة نقل الركاب. إذ أدت شدة الرياح إلى سقوط السقف المعدني الذي كان يغطي المقصورة الرئيسية المخصصة لكبار الشخصيات، ما تسبب بإصابة عدد من المشجعين، واضطر حكم المباراة إلى إيقاف اللعب حفاظاً على سلامة الحاضرين. حادثة بقيت واحدة من أغرب الوقائع التي ارتبطت بتاريخ هذا الملعب، وأصبحت جزءاً  من ذاكرة رواده.

ملعب الشعب.. جراح وأحداث لا تمحوها السنوات..

ولم تتوقف الأحداث عند تلك الحادثة، فقد تعرض الملعب بعدسقوط النظام البائد في نيسان عام 2003 إلى أضرار جسيمة نتيجة القصف الجوي، الذي خلّف حفرة كبيرة في وسط أرضية الملعب وأضراراً في مدرجاته ومرافقه، قبل أن يخضع لاحقاً لعمليات إعادة تأهيل وصيانة.

كما شهد يوم 15 آذار عام 2019 واحدة من أكثر الحوادث الجماهيرية إثارة للقلق، خلال مواجهة القمة بين الزوراء والقوة الجوية، عندما تسبب التدافع والاكتظاظ الجماهيري الكبير، وتجاوز أعداد الحاضرين الطاقة الاستيعابية للملعب، بحوادث عند السياج الخارجي وإصابة عدد من المشجعين، الأمر الذي انتهى بإلغاء المباراة حفاظاً على سلامة الجماهير. وهكذا تنوعت حكايات ملعب الشعب بين لحظات الفرح والانتصار، ومشاهد الألم والتحديات، لكنه ظل حاضراً في وجدان الجماهير العراقية.

ستون عاماً..والذاكرة لا تشيخ..

على مدى ستة عقود، احتضن ملعب الشعب الدولي مباريات محلية ودولية، ومنافسات كروية كبرى، ووقف على أرضيته نجوم كبار، وارتفعت في مدرجاته أصوات آلاف المشجعين الذين وجدوا فيه مساحة للتعبير عن عشقهم لكرة القدم.

 

ومن منا لا يتذكر ليالي الانتصارات العراقية، ومواجهات القمة بين الأندية الجماهيرية، وصيحات المدرجات التي كانت تهز أركان الملعب، وتلك اللحظات التي صنعت تاريخاً لا يمكن اختزاله بالأرقام والنتائج،

إن بلوغ ملعب الشعب الدولي ذكراه الستين ليس مجرد مناسبة لاستذكار تاريخ افتتاحه، بل فرصة للتوقف أمام قيمة هذا الإرث الرياضي، وضرورة المحافظة عليه وتطويره بما يليق بمكانته التاريخية، بعيداً عن الإهمال والمعالجات المؤقتة.

#وأخيراً..

ستون عاماً من الحكايات، وستون عاماً من الذكريات، وستون عاماً شهدت فيها مدرجات ملعب الشعب دموع الفرح والحزن، وهتافات الانتصار والانكسار.

إنه ليس مجرد ملعب لكرة القدم، بل ذاكرة وطن، وشاهد على تاريخ أجيال، وصرح ارتبط اسمه بوجدان العراقيين.

فكل عام وملعب الشعب الدولي بخير، وكل عام وذاكرة الكرة العراقية أكثر إشراقاً، وليبقَ هذا الصرح شامخاً، شاهداً على ماضٍ عريق، وحاضراً يستحق الاهتمام، ومستقبل يليق بالرياضة العراقية.


مشاهدات 36
أضيف 2026/11/08 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 11:49 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 2085 الشهر 17146 الكلي 16667680
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير