حان وقت وضع الدستور لإقليم کوردستان
رەنج باراوی
في تاريخ الشعوب، تمرّ محطات تكون بمثابة اختبار حاسم للبقاء أو التشتت؛ لاكتساب الهيبة أو النأي بالنفس عن أتون الأزمات المتشعبة. وإذا ما تأملنا الخريطة السياسية لإقليم كردستان العراق، سنجد أنها تقف أمام مفترق طرق من هذا القبيل. ومع انطلاق دورة برلمانية جديدة، لا يمثل طرح مسألة كتابة وإصدار (دستور إقليم كردستان) مجرد فقرة قانونية عادية، بل يترجم الانشغال بالفضاء الروحي والقانوني الذي ينبغي أن يختزل مستقبل الأجيال القادمة. لقد آن الأوان لنغادر مستنقع الشعارات السياسية، ونبني كيان الإقليم على أساس دستور شامل، ديمقراطي، وإنساني؛ يكفل حقوق كافة المكونات، والحريات العامة، ويصون كرامة مختلف شرائح المجتمع،سيّما في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة وضرورة تنظيم العلاقات في إطار دستوري رصين.
ولفهم هذه الضرورة بعمق، لابد من إخضاع هذه المرتكزات الأساسية للتقييم في سياق منطقي ومترابط:
صحيح أن برلمان كردستان أقرّ مشروع الدستور عام ٢٠٠٩، إلا أن الصراعات السياسية وغياب ثقافة الوفاق الوطني أفضيا إلى تعثره. وما هذا الفراغ القانوني الذي استمر سوى انعكاس لأزمة ثقة جوهرية. ومع مرور الوقت، تحول غياب الدستور من «مرحلة مؤقتة» إلى (ورقة ضغط سياسي) بيد الأحزاب، في حين ينبغي للدستور أن يكون درعاً لحماية المواطن لا أداةً للصراع الحزبي.
فالدستور بالنسبة للإقليم كيان متعدد الأبعاد؛ فسياسياً يعزز شرعية المؤسسات، وقانونياً يرسخ سيادة القانون، واقتصادياً يمنح الضمانات المنشودة. والدستور الإقليمي والدستور الاتحادي ليس متناقضين، بل هما دائرتان متكاملتان؛ الأولى تمثل الإطار العام والثانية ترسم الخصوصيات المحلية. وفي ذات السياق، فإن المواءمة الدستورية مع الإطار الاتحادي تقتضي واقعية سياسية؛ فالمادة (١٢١) من الدستور العراقي منحت الأقاليم حق صياغة دساتيرها شريطة ألا تتعارض مع الدستور الاتحادي. والمواءمة هنا ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي فن التسوية السياسية والوطنية مع بغداد، بما يعني حماية الحقوق القومية والصلاحيات المحلية دون ترك أي ثغرة تخلّ بالتطابق مع الدستور الاتحادي، وهو ما يُحقق بابتكار قانوني ودبلوماسية رصينة.
إلى جانب ذلك، حافظت المادة (١٤٠) من دستور العراق لسنة (٢٠٠٥) على هُوية تلك المناطق؛ وإن إدراج بند أو مادة تخص هذه المناطق في دستور الإقليم يُعدّ تأكيداً قانونياً مشروعاً لحق سكانها التاريخي والديمقراطي استناداً إلى الدستور العراقي الاتحادي، شريطة أن يُصار إلى تنفيذه ضمن أطر التوازن والتوافق لئلا يتحول إلى فتيل للأزمات.
في إقليم يشهد تحولات متسارعة، يتحول الدستور (الجامد وغير القابل للتعديل) إلى سجن فكري. والحل يكمن في اعتماد (دستور متوازن وآلية تعديل عادلة) تتناغم مع روح العصر. فإذا ما تحول الدستور إلى وثيقة تلزم كافة القوى بدمج قوات البيشمركة تحت مظلة الوزارة، وإنهاء مخلفات الإدارة الثنائية، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، فسيكون بوسعنا وضع حد لذلك الانقسام الخفي الذي يلحق الضرر بكياننا. فضلاً عن ذلك، يجب أن يرسّس الدستور نظاماً برلمانياً أو مختلطاً متوازناً يربط السلطات ببعضها، وليغدو الدستور في العالم الحديث عقداً اقتصادياً يكرّس الرواتب والموازنة وIلعائدات كـ (حق مقدس للمواطن) بعيداً عن تقلبات السياسة. ولحسم النزاعات، يبرز تأسيس (محكمة دستورية للإقليم) مستقلة عن القرار الحزبي كشرط جوهري. وبما أن كردستان واحة للتعايش السلمي، فلا بد للدستور أن يكرس حقوق البيئة، الأمن المائي، وتنوع المكونات كأولوية وطنية.
إن تقاطع مصالح القوى الكبرى ودول الجوار حقيقة لا يمكن تجاهلها، وخير وقاية أمام التدخلات هي بناء توازن وطني يراعي المصالح المشتركة، بالاستفادة من التجارب العالمية في مجالات حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. وفي ظل دستور للإقليم، سيتمتع الكيان باستقلالية قانونية واضحة تماثل الأقاليم الاتحادية، حيث يُدار التعامل مع القوانين السارية عبر قاعدتين دستوريتين: أولاً، تشريع قوانين خاصة بالإقليم في مجالات العقوبات، الأحوال المدنية والإدارة بما لا يتعارض مع مبدأ التوازن والاتفاق مع بغداد؛ ثانياً، آليات التعديل والمواءمة في الحالات التي تستوجب بقاء القوانين العامة (كقانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ وقوانين الأحوال الشخصية) شريطة تعديلها جذرياً لتتواءم والخصوصيات المحلية والأسس الدستورية.
إن فن الإدارة المعاصرة لا يقتصر على الأرض والثروات فحسب، بل يشكل (الاقتصاد الرقمي والمعلوماتي) عموده الفقري، لذا لابد للدستور من ضمان التزام الحكومة بأتمتة المؤسسات وحماية الأمن السيبراني. كما ينبغي الاعتراف بـ (حقوق الأجيال القادمة) ٫في الثروات الطبيعية (من خلال تأسيس صندوق سيادي) وتشكيل هيئة للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. ورغم مخاوف بغداد، فإن وجود دستور رصين يحدد بوضوح الحدود والواجبات يسد الفراغ القانوني ويمثل صمام أمان للاستقرار.
إن كتابة وإقرار دستور إقليم كردستان في هذه الدورة البرلمانية لا يعد استحقاقاً قانونياً فحسب، بل هو اختبار حقيقي للكرامة والمسؤولية الملقاة على عاتق كافة القوى السياسية. لقد حان الوقت لتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة، وإنتاج دستور يلامس تطلعات أطفالنا، وحقوق المرأة، وثروات الوطن، والأمن البيئي، وكرامة المكونات، وشق طريقنا بثبات نحو كيان مستقر، عادل ومزدهر.
الباحث الحقوقي
قائمة المصادر:
١. دستور جمهورية العراق (٢٠٠٥). الوقائع العراقية، العدد (٤٠١٢).
٢. مشروع دستور إقليم كردستان - العراق (٢٠٠٩). برلمان كردستان، أربيل.
٣. قانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ المعدل. الوقائع العراقية.
٤. قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (١٨٨) لسنة ١٩٥٩ المعدل. الوقائع العراقية.
٥. قانون تنظيم السلطة القضائية في إقليم كردستان-العراق، رقم (٢٣) لسنة ٢٠٠٧. وقائع كردستان.
٦. محمود، حُسيب أحمد. (٢٠١٢). النظام الدستوري في العراق الفدرالي. مطبعة الشرق، أربيل (خصوصاً ص ٨٥-١١٢).
٧. ماملێ، أفراسياب كمال. (٢٠١٦). علم الدستور والحقوق الدستورية في إقليم كردستان. مؤسسة وسردم للطباعة والنشر، السليمانية (خصوصاً ص ١٤٠-١٦٥).
٨. حمه أمين، دارا عبدالله. (٢٠١٩). الفدرالية وتوزيع الاختصاصات بين المركز والأقاليم في العراق. مجلة جامعة السليمانية للعلوم الإنسانية، العدد (٤٢)، ص ٢١٥-٢٣٨.
٩. هيئة الإحصاء في إقليم كردستان (KRSO) بالتنسيق مع وزارة التخطيط في حكومة إقليم كردستان. (٢٠٢٤). التقرير السنوي للديموغرافيا والاقتصاد. أربيل.
١٠. البنك الدولي (World Bank). (٢٠٢٤ - ٢٠٢٥). تقرير المرصد الاقتصادي للعراق (Iraq Economic Monitor). واشنطن.