من حياة الموصليين وقت الأزمة
سعد العبيدي
يجلس توفيق في محل الحاسبات الصغير، وسط شارع موصلي تتجاور فيه المحال وتتقاطع أرزاق أصحابها... يوم شتوي من أيام 2014 يشبه غيره؛ زبائن يدخلون ويخرجون، أجهزة تنتظر التصليح، وحسابات آخر الشهر، تأخذ منها مصاريف العائلة الحيز الأكبر.يرن الهاتف.
الصوت في الطرف الآخر، يعرف اسمه وعمله ومحلّه. يتحدث بلهجة لا تخلو من التهديد، وبثقة العارف بكل شيء، ثم يختم حديثه بطلب مبلغ كبير لأغراض الجهاد.
يصمت توفيق. يعيد الرقم في رأسه كأنه أخطأ سماعه. مبلغ يفوق ما يستطيع جمعه في سنين. يحاول أن يشرح ذلك، لكن الصوت في الطرف الآخر يُغلف طلبه بكلام عن وجوب الجهاد، ثم يقطع عليه محاولة الاعتراض: أصحاب المحال في الشارع يدفعون، وعليك أن تدفع مثلهم.ينتهي الاتصال، وتبقى الكلمات تدور في رأسه مثل حجرٍ أُلقي في ماء ساكن، تتسع دوائره ولا تهدأ. يعرف أن الحكاية أوسع منه. تمر في ذهنه وجوه أصحاب أعمال يدفعون بصمت، ويتذكر المحل الذي حاول صاحبه التهرب من الدفع، فانتهى متجره محترقًا. وتتردد في ذاكرته أحاديث التجار عن رجال يصلون إليهم وفي أيديهم معلومات دقيقة عن أعمالهم وأموالهم؛ يعرفون من يملك، ومن يستطيع الدفع، وأين يضعون إصبعهم حين يريدون الضغط، ويعرفون اليد الخفيّة في دائرة الكهرباء التي تصل إلى العقود والمناقصات، وتفرض حصة من بعضها، تحت العنوان نفسه، هو الجهاد.يضع توفيق علامة «مغلق» على الواجهة الزجاجية للمحل، ويجلس على كرسي خشبي قديم يفكر: غريب أمر دولتنا؛ مكاتبها مفتوحة، وموظفوها في أماكنهم، وأختامها تدور على الأوراق، وفي داخلها تنمو سلطة أخرى تجمع المال، وتعرف الأشخاص، وتصل إليهم متى تشاء.يجول بنظره في المحل. الحاسبات المصطفة، رفوف القطع، طاولة التصليح... أشياء عاش بينها مطمئنًا إليها مصدرًا مضمونًا للرزق. يراها الآن بعين أخرى؛ كل شيء فيها يقول للغرباء شيئًا عنه، عن عمله، وما يظنون أنه يملك. وباب المحل الذي كان يفتحه كل صباح طلبًا للرزق، صار عنوانًا يدل عليه، وطريقًا يعرفون منه كيف يصلون إليه.يفكر في الشرطة، في نقطة السيطرة القريبة منه، ثم يتذكر أن الذين يطالبونه بالمال يعرفون اسمه، وتفاصيل محلّه، وعنوان سكنه، وربما أكثر مما يتصور. يدرك أن المسألة أكبر من مكالمة يمكن تجاهلها، وأن المبلغ المطلوب يفوق قدرة محله عشرات المرات. يضيق أمامه الخيار؛ فلا يملك ما يدفع، ولا يطمئن إلى من يحميه إذا امتنع.
يغلق المحل، ويعود إلى بيته القريب من السوق. يسرّ لزوجته بما حدث. يراقب وجهها وهي تستمع؛ يتغير شيئًا فشيئًا، فيرى في قلقها ما كان يحاول تهوينه على نفسه. عندها يصبح ترك المدينة أقرب من التردد. يتبادلان كلمات قليلة، ثم يبدآن بجمع ما خفّ حمله من حاجاتهما. يمضيان وطفليهما إلى مرآب السيارات، يصعدان أول سيارة أجرة يحين دورها إلى أربيل.هناك، بعيدًا عن المحل والأهل والجيران، يلتقي به صحفي يتابع أحوال القادمين من الموصل. يسأله عن الإسم الكامل، وعن سبب مغادرته، وأوضاع المدينة التي تتكاثر فيها الهمسات، عن مسلحين يتحركون في أطرافها، فيما يتناقل أهلها أخبارًا لا يعرفون أين تنتهي الحقيقة فيها، وتبدأ الإشاعة. يتردد. يعطيه اسمًا مستعارًا.
تسأله زوجته، بعد ابتعاد الصحفي: لماذا أخفيت اسمك؟ينظر إليها، ثم يدير وجهه صوب الموصل، وما زالت الخشية تسكنه، ويجيب: خرجنا منها... لكني أخشى أن يكون القادم إليها أكبر مما هربنا منه.