الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف نحوّل العدو إلى صديق؟.. يوم السيادة نموذجًا

← بواسطة azzaman

كيف نحوّل العدو إلى صديق؟.. يوم السيادة نموذجًا

عباس التميمي

 

حين يسألنا التاريخ عن وطننا، هل نحب وطننا؟ ، هل مستعدون دائما أن نكون على هبة الاستعداد لتضحية دونه وعنه؟ ، يتجدّد هذا السؤال في ضمائرنا، لا لنُجيب بالشعارات، بل بالأفعال، فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نُهزم أعداءنا؟ بل: كيف نبني وطنًا لا يجد فيه العدو ثغرةً ينفذ منها؟ وكيف نصنع سيادةً تفرض الاحترام قبل أن تطالب به؟

إن تحويل العدو إلى صديق ليس معجزةً دبلوماسية، ولا منّةً من أحد، بل نتيجة طبيعية لوطن عادل قوي، يشعر فيه المواطن بالأمان والاحترام، فيصبح سفيرًا لوطنه في كل مكان، وعندها فقط، سيحترمنا العدو، لا خوفًا من قوتنا، بل احترامًا لعدلنا وقوتنا الداخلية، ولأجل وضع أسس لمقومات سيادة ثابتة بجذورها لابد من تثبيت تلك الجذور بأرض صالحة على الأسس التالية:

المواطن أولًا… أمانٌ وكرامة

لا سيادة بلا مواطن يشعر أنه إنسان قبل أن يكون رقمًا، عندما يستيقظ المواطن مطمئنًا على نفسه وأسرته، حين يعرف أن القانون يحميه لا يخشاه، حين يجد في وطنه احترامًا لا إذلالًا، عندها يتحوّل هذا المواطن إلى درع للوطن لا عبءٍ عليه، فالأمان ليس غياب الجريمة فقط، بل حضور العدالة، والاحترام ليس مجاملةً عابرة، بل شعور بأن كرامتك مصونة، وأن دمك ليس رخيصًا، وأن صوتك مسموع، فكيف نطلب من مواطن أن يدافع عن وطن لا يدافع عنه؟ وكيف ننتظر منه أن يحب أرضًا تُهينه كل يوم؟ ، إن تحويل العدو إلى صديق يبدأ من هنا: من مواطن يشعر أنه في وطنه، لا في منفى داخل الحدود.

القضاء العادل… حصن السيادة الأول

لا شيء يهدم ثقة المواطن بوطنه مثل قضاءٍ متحيّز، القضاء ليس مؤسسةً كأي مؤسسة، بل هو الله في الأرض، وملجأ المظلوم، وسيف الحق، عندما يكون القضاء عادلًا غير متحيّز، يشعر الناس أنهم متساوون أمام القانون، وأن الحق لا يُشترى، وأن الظالم لن يفلت مهما علا شأنه، القضاء العادل هو أول خطوات تحويل العدو إلى صديق، لأن العدو حين يرى أن في هذا البلد من ينتصر للمظلوم حتى لو كان ضعيفًا، يدرك أن هذا الوطن ليس هشًا، والعالم كله يحترم الأمة التي يُرفع فيها صوت العدالة فوق صوت القوة.

إعلام هادف… حرٌّ ومستقل

الإعلام ليس ترفًا، بل وجدان الأمة وذاكرتها، عندما يكون إعلامنا هادفًا، حرًّا، غير متحيّز، غير تابع، ومستقلًا، عندها فقط يستطيع أن يبني وعيًا حقيقيًا، وأن يواجه الأكاذيب، وأن يكون سلطةً رابعة تُحاسب ولا تُحابي، لكن الحرية ليست فوضى، والرأي الحر ليس هدمًا، نحتاج إعلامًا ينتقد ليبني، لا ليهدم؛ يختلف ليرتقي، لا ليُفرّق؛ يكشف الفساد ليعالجه، لا ليُشهّر بالوطن، هذا هو الإعلام الذي يجعل العدو يحسب ألف حساب قبل أن يمسّنا، لأنه يرى أمةً واعيةً لا تُخدع.

 

قواتنا الأمنية… جزءٌ من الشعب

الجيش والأمن ليسا فوق الشعب، بل منه وإليه، عندما يكون أفراد قواتنا الأمنية جزءًا من الشعب وليسوا جزءًا من النظام، يشعر الناس أنهم يحمونهم لا يحتلّونهم، وعندما وُجدت هذه القوات لعزّتنا وكرامتنا، لا لتحمي كرسيًّا أو سلطة، عندها يتحوّل الجندي إلى أخٍ، والشرطي إلى حامٍ، والأمن إلى حياةٍ لا خوف، هذا هو الجيش الذي يجعل العدو يعرف أن هذا الوطن لا يُخترق، لأن شعبه وجيشه يدٌ واحدة، وقلبٌ واحد.

التعليم… سلاح الأمم الحقيقي

لا تُبنى السيادة إلا على تعليم حقيقي، عندما تكون مدارسنا بمستوى المدارس العالمية، لا في المباني فقط، بل في التعليم والمناهج والقيم، عندها نُعدّ أجيالًا قادرةً على صناعة المستقبل، لا على تكرار الماضي، ولكن هذا التعليم يحتاج كوادر تدريسية تشعر بالمسؤولية، وتتقاضى حقوقها كاملةً دون عناء، دون أن تُهان أو تُهمّش، والمعلم المقهور لا يصنع طالبًا مبدعًا، والمدرسة المهملة لا تخرج قادة.

الطالب… مشروع الأمة القادم

لا يمكن أن نبني وطنًا ونترك طلابنا يعانون، يجب أن توفّر الدولة لطالبها كل متطلباته: زيًّا موحّدًا، نفقةً شهرية، بيئةً نظيفة، غذاءً مناسبًا، لا يمكن أن نطلب من طالب أن يتفوّق وهو جائع أو محتاج، وفي المقابل، لا بد من محاسبة كل من يتأخّر أو يخرج عن النظام التعليمي المرسوم له، المحاسبة ليست قسوة، بل عدالة، وفي حالة الفشل، يُسترجع كل درهم صُرف عليه، لا انتقامًا، بل لضمان أن المال العام أمانة.

الجامعات… بوابة المستقبل

عندما نُطبّق هذا الأمر على جامعاتنا، يجب أن نواكب التطورات العلمية للجامعات العالمية، لا يكفي أن نُدرّس، بل يجب أن نُبدع ونبتكر، لا بد من ترك منهج الكمّ والتأكيد على النوع، والاختصار في المناهج، والتركيز على المهارات لا الحفظ، ويجب أن نوفّر للطلبة كل ما يحتاجونه: مطاعم بأسعار رمزية، وسائل نقل بأسعار رمزية، كسوة للصيف والشتاء، وأقسامًا حديثة، لا يكفي أن نقول للطالب "تعلّم"، بل يجب أن نُهيّئ له البيئة ليتعلّم.

السياسة… خدمة لا نهب

عندما تكون أهداف سياستنا رفاه الشعب، لا سرقة أمواله، عندها يتغيّر كل شيء، لا يمكن أن نطلب من شعب أن يحب وطنًا تُنهب فيه ثرواته، وتُهدر فيه موارده، ويُترك فيه الفقير بلا سند، والغني بلا رادع، والسياسة الحقيقية ليست لعبة كراسٍ، بل أمانة، ومن لا يفهم أن السياسة خدمة، لا يستحق أن يكون في موقعها.

النظام والتخطيط… أسلوب حياة

لا نهضة بلا نظام، عندما يصبح النظام والترتيب جزءًا من أسلوب حياتنا اليومية، مع التخطيط لكل شيء، وترك الفوضى وعدم الترتيب، عندها تصبح الدولة كالساعة الدقيقة، لا تعطّل ولا تتأخر، فالتخطيط ليس رفاهية، بل ضرورة، من لا يخطط يفشل، ومن يعش عشوائيًا يكون لقمةً سائغةً لأعدائه.

القضاء على الفساد

الفساد ليس قضية أخلاقية فقط، بل قضية أمن قومي، عندما نقضي على كافة أنواع الفساد وطرقه، لا بالشعارات بل بالأنظمة الصارمة، والمحاسبة الحقيقية، والشفافية، عندها تُبنى الثقة، وتُحفظ الثروة، ويشعر المواطن أن ماله وأرضه وعمله في أمان ، ولا يمكن أن يتحوّل العدو إلى صديق ونحن ننهب أنفسنا بأيدينا ونسرق بيتنا ونبعثر ثروتنا فهي ليست شخصية بل كلنا شركاء بها .  

الإنسان المناسب في المكان المناسب

لا نهضة بلا كفاءات، عندما نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، لا بالواسطة، ولا بالمحسوبية، ولا بالولاء، عندها تعمل المؤسسات بكفاءة، وتُنجز المهام بإتقان، ويشعر الجميع أن العدالة مطبّقة .

قال النبي ﷺ: "إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة"، وهذا ليس تهديدًا دينيًا فقط، بل حقيقة إدارية، من يُوضع في غير مكانه يُفسد المكان،

المنافسة الشريفة… لا عقيدة ولا مذهب

عندما يكون قبول أبناءنا على أساس المنافسة الشريفة، لا على العقيدة أو المذهب أو التضحية، عندها تتوحّد الأمة، لا يمكن أن نبني وطنًا ونحن نُفرّق أبناءنا بين طائفةٍ وطائفة، ومذهبٍ ومذهب، وقوميةٍ وقومية ، المنافسة الشريفة هي التي تصنع الأبطال، والحقد الطائفي هو الذي يصنع الأعداء .

وطن واحد… علم واحد

عندما يكون بلدنا له علم واحد، وقائد واحد، وأرض واحدة، وسماء واحدة، وشمس واحدة، وقمر واحد، ووطن واحد، عندها نكون أمةً حقيقية، لا يمكن أن نبني سيادةً ونحن ممزّقون، ولا أن نُواجه أعداءنا ونحن نتخاصم فيما بيننا ، الوحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل وعيٌ يُعاش كل يوم ، في النهاية : عندها فقط، سيحترمنا العدو، لا لأننا أقوياء فقط، بل لأننا عادلون، ومتّحدون، وأحرار، لن يجد فينا ثغرةً ينفذ منها، ولن يجد فينا ضعفًا يستغله، وقد لا يصبح صديقًا فجأة، لكنه سيفقد قدرة الإساءة إلينا، فالعدو لا يُهزم بالكلام، بل بوطن عادل قوي، يصنع احترامه لنفسه ، هذا هو درس يوم السيادة: أن السيادة لا تُشترى، ولا تُستجدى، ولا تُوهب، بل تُبنى بمواطنٍ كريم، وقضاءٍ عادل، وإعلامٍ حرّ، وجيشٍ من الشعب، وتعليمٍ حقيقي، وسياسةٍ تخدم لا تسرق، ونظامٍ يُحترم، وفسادٍ يُقضى عليه، وكفاءاتٍ تُقدّر، ومنافسةٍ شريفة، ووحدةٍ حقيقية، عندها، سنكون أمةً تستحق أن تُحترم، ويومها فقط، يتحوّل العدو إلى صديق، أو على الأقل، يتحوّل إلى عدوٍّ عاجزٍ عن إيذائنا.

 


مشاهدات 48
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/10/04 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/10/05 - 12:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 14 الشهر 6854 الكلي 16592023
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير