إقتصاد البدايات وإمتحان الإستمرار
هدى زوين
تأتي البدايات الجديدة محمّلة بجرعة كبيرة من الأمل. تتغير الوجوه والعناوين، وتُطرح الوعود بإصلاح الأوضاع وتحسين الخدمات وفتح أبواب العمل والتعيينات، فيما ينتظر الناس أن ينعكس هذا التغيير على تفاصيل حياتهم اليومية.لكن بين الأمل الذي تصنعه البداية والواقع الذي يكشفه الزمن، مسافة لا يمكن تجاهلها.فبعد أسابيع أو أشهر، يبدأ الاختبار الفعلي. ترتفع الأسعار، تتزايد كلفة المعيشة، تتراجع القدرة الشرائية، وتعود بعض مظاهر الفوضى إلى الواجهة. عندها يصبح السؤال مشروعًا: أين يكمن الخلل؟ هل المشكلة في غياب الخطط، أم في عدم استمرارية تنفيذها، أم في معالجة النتائج بدل معالجة الأسباب؟ إن الاقتصاد لا يستجيب للوعود وحدها، ولا يتغير بمجرد الإعلان عن مرحلة جديدة. الاستقرار الاقتصادي عملية تراكمية تحتاج إلى سياسات متماسكة، وإدارة فعالة، وضبط للأسواق، وتشجيع للإنتاج، وتوفير فرص عمل حقيقية، إلى جانب حماية المواطن من التآكل المستمر في قدرته الشرائية. فالأسعار المرتفعة ليست مجرد أرقام في الأسواق؛ إنها جزء من يوم المواطن، والراتب الذي يفقد قيمته تدريجيًا يعني أن الأسرة تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتخلي عن احتياجات كانت تُعد أساسية. ومن هنا، فإن معيار نجاح أي مرحلة لا ينبغي أن يكون حجم التفاؤل الذي رافق بدايتها، بل قدرتها على الاستمرار وتحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس.
فالتغيير الحقيقي لا يحتاج إلى وقت طويل كي يُعلن عن نفسه بالشعارات، لكنه يحتاج إلى وقت كي يثبت نفسه بالنتائج.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في الاقتصاد هو أن تتحول البدايات الجديدة إلى دورة متكررة: تفاؤل، وعود، انتظار، ثم ارتفاع في الأسعار وعودة إلى الأزمات نفسها.
لذلك، لا يحتاج الناس إلى بداية جديدة فقط، بل إلى استمرارية جديدة؛ استمرارية تجعل الإصلاح سياسة لا مناسبة، وتحول تحسين المعيشة من وعد مؤجل إلى نتيجة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وهنا، لا تُقاس قوة المرحلة بما قيل عند ولادتها، وإنما بما استطاعت أن تتركه بعد أن ينتهي بريق البداية.