الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
غفوة

← بواسطة azzaman

قصة قصيرة

غفوة

منهل الهاشمي

 

ظهيرة آب قائظة لا ترحم. الشوارع شبه خالية في الخارج. صمت تام يُطبق عليها. إنه وقت قيلولته اليومية الصيفية. متمددا كان في سريره بغرفة النوم، إلا انه هذه المرة لم يكن وحيدا. كانت معه طفلته الوحيدة ذات الوردتين والوجه الملائكي الجميل البريء متكومة على صدره يلاعبها.. ويداعبها. فزوجته خرجت على عجالة لشراء احتياجات منزلية ضرورية وتركتها لديه للعناية بها لوقت قصير. كان يسميها بالقطة الشيرازية لغزارة شعرها الناعم السارح، لذا فهو يتعمد فكّ مشبك شعرها وينفشه ويبعثره بفوضوية منسدلاً على وجهها فيغطيه حتى تغدو كما يصفها. ويمدّ لها حافة يده اليمنى لتعضّها بأسنانها الغضّة بكل قواها فيتألم حقاً لكنه يستعذبه. كان يحبها حد الهوس فهو يعشق الأطفال، وقد شاء قدره اللعين أنْ يتزوج في سن متقدمة بعد عقود طويلة عجاف جدباء من سلسلة عذابات متواصلة. هي كل ما خرج به من هذه الدنيا القاسية الجائرة كما كان يردد دائما. ولطالما تضرع الى الله بابتهال وخشوع أنْ يمدَّ بعمره، لا لشيء سوى أنْ يقرّ عينه برؤيتها وهي ترتدي زي المدرسة. كانت قد تعلمت مؤخرا كلمات بسيطة ترددها بتهجئة متكسرة : ماما... بابا، والأخيرة (بابا) التي حُرِمَ منها عمراً كانت احلى كلمة سمعها في حياته.  

بيديها الصغيرة الممتلئتين تضربه على كرشه بكل قواها فيتصنّع الصراخ والألم، فتغرق بالضحك بحبور وسرور. لم تكن الفرحة تسعه حينذاك، فيلاطفها ويقبّل قدميها ويديها التي تضربه. كان يحاول جاهدا مغالبة سلطان النوم لشعوره الشديد بالنعاس والتعب والإرهاق، وحاجته الماسة للراحة بعد يوم عمل طويل شاق ومجهِد. إلا انه كلما اخذته غفوة كانت قطته تصيح به (بابا.. بابا)، فيجفل مستيقظا ويعود لملاعبتها حتى يغفو ثانية... وهكذا استمر الحال حتى طالت غفوته اكثر من اللازم، فعادت تصرخ به دون رد. انزعجت كثيرا فأخذت تخربش وجهه وتضربه على كرشه وتعضّ يده بقوة تروم معاودته ملاعبتها، حتى أجهشت بالبكاء وعلا صراخها (بابا.. بابا.. بابا)... إلا انه لم يُجِبها سوى صدى الجدران.  

 

كاتب وأكاديمي


مشاهدات 55
الكاتب منهل الهاشمي
أضيف 2026/09/30 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 134 الكلي 16585303
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير