الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
توحّش التضخّم بقوانين معطّلة.. تدهور قيمة رواتب الموظفين والمتقاعدين

← بواسطة azzaman

توحّش التضخّم بقوانين معطّلة.. تدهور قيمة رواتب الموظفين والمتقاعدين

محمد صالح البدراني

 

يعيش الموظف والمتقاعد العراقي اليوم في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ الدولة الحديث؛ أزمة لا تتمثل في شح الموارد، بل في التآكل الصامت والمنظم للقيمة الشرائية للرواتب. هذا التآكل ليس مجرد نتيجة لتقلبات الأسواق العالمية العابرة، بل هو نتاج منهج تراجعي للقرارات الحكومية وتعطيل متعمد لنصوص قانونية صريحة شرّعها القانون العراقي لحماية المواطن، مما أدى إلى تجريد الشريحة الأوسع من المجتمع من أمنها المعيشي.

الجذور التاريخية للأزمة: من خفض الرواتب إلى سحق المكتسبات

لم تبدأ أزمة تآكل الرواتب مع تغيير سعر الصرف الفجائي فحسب، بل تمتد جذورها التنفيذية إلى أبعد من ذلك، عبر محطات رسمية شكلت صدمات متتالية للمعيشة.

عام 2015 (انتكاسة سلم رواتب حكومة العبادي): في خضم الأزمة المالية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط وحرب داعش، اتخذت حكومة حيدر العبادي قراراً مثيراً للجدل بتعديل سلم الرواتب العام، تضمن هذا القرار اقتطاعاً وخفضاً للرواتب الاسمية والمخصصات للدرجات العليا والمتوسطة (الأولى والثانية والثالثة)، دافعاً بمدد الترفيع والعلاوات إلى الخلف وواضعاً حداً أعلى مقيداً للرواتب الكلية، ورغم تصوير الإجراء كخطوة لتحقيق «العدالة»، إلا أنه شكّل ضربة قوية للقدرة المالية للوظيفة العامة ومثّل تراجعاً عما أقره قانون رقم 22 لسنة 2008 الأصلي.

كانون الأول 2020 (صدمة خفض الدينار): جاء قرار حكومة مصطفى الكاظمي بخفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار من (1182) إلى (1450) ديناراً، ليحقق تضخماً فورياً غير مسبوق، فقدت الرواتب بشكل مباشر نحو 23 بالمئة من قيمتها النقدية، بينما قفزت أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة التي يعتمد عليها العراق بنسبة 85بالمئة، بمعدلات بلغت 30بالمئة إلى 40بالمئة.

أزمة المحروقات وقوانين الضرائب

تكاملت حلقة الخنق المعيشي عبر ملف الطاقة والوقود، حيث اتخذت الحكومات المتعاقبة قرارات متتالية برفع أسعار البنزين والمشتقات النفطية (المحسن، السوبر، وزيت الغاز «الكاز») وعلى مراحل متعددة، ظهر جبل الثلج فيها مع وزير نفط سابق، ومازال الأمر مستمرا، رغم أن الدوافع انتهت.

لم تكن هذه الزيادة عبئاً على مالكي المركبات فحسب، بل امتد أثرها بشكل مركب وتلقائي ليضرب أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، فارتفاع كلف النقل والشحن والتشغيل للمصانع وسيارات نقل البضائع، والضرائب الكارثية واسلب دفعها المعقد، الذي حله وغيره بالقضاء على منبع الفساد؛ تُرجم في الأسواق على شكل موجة غلاء جديدة، تضاعفت معها أسعار المواد الغذائية والخضروات والخدمات والطبابة، أدى هذا الرفع المستمر للوقود بالتوازي مع قوانين الجباية والتعرفة الجمركية الصارمة إلى خسارة الموظفين والمتقاعدين لأكثر من 50بالمئة من قدرتهم الشرائية الفعلية.

الالتفاف القانوني المعطل

المفارقة أن المشرّع العراقي التفت مبكراً إلى خطورة التضخم والتقلبات الاقتصادية ووضع آليات تشريعية لحماية الفئات الهشة، إلا أنها جُمدت عن عمد:

المادة 3 (ثانياً) من قانون رواتب موظفي الدولة رقم 22 لسنة 2008: أوجبت على مجلس الوزراء تعديل مبالغ جداول الرواتب تماشياً مع ارتفاع نسب التضخم السنوي لحماية المستويات المعيشية للموظفين.

المادة 36 من قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014: نصت بعبارة إلزامية صريحة («تزداد الرواتب التقاعدية كلما زادت نسبة التضخم...») لضمان عدم عجز المتقاعد الذي أفنى عمره في الخدمة عن تأمين عيشه.

قول الشارع (تزداد) صيغة وجوبية لهذه القوانين، كانت الذريعة بغياب «الوفرة المالية»، غير مبالين أن تعظيم موارد الدولة لا يجب أن تسحق مورد المواطنين، أو الإخلال بحماية الأمن المعاشي.

الآثار الاجتماعية: سحق الطبقة الوسطى واستباحة الكرامة المعيشية

نتج عن تضافر هذه القرارات الفاشلة (من تراجع درجات الرواتب، وخفض قيمة العملة، ورفع أسعار الوقود) سحق كامل للطبقة الوسطى في المجتمع، وتحول ملايين الموظفين والمتقاعدين إلى ما يشبه شريحة «الفقراء الجدد» العاجزين عن موازنة دخلهم الثابت مع سوق متضاعف الأسعار، مما أحدث فجوة طبقية وغبناً معيشياً واجتماعياً حاداً.

الرابط الحتمي بين الحاجة والانحراف الإداري

الخطر الأكبر لهذه السياسات يتجاوز الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية ليصل إلى العمق البنيوي والنزاهة للدولة، عندما يُسلب الموظف الحكومي قيمة راتبه الشرائية، ويجد المتقاعد نفسه عاجزاً عن دفع إيجار سكنه أو كلفة علاجه، فإن السلطة تفتح بنفسها الأبواب مشرعة أمام منظومة الفساد الإداري.

غطاء ممتد

إن تدني الرواتب ومصادرة الحقوق يدفعان إلى شرعنة ما يُعرف بـ «الفساد الصغير» كآلية قسرية للبقاء وتحسين الدخل، وعندما يصبح الفساد الصغير مبرراً تحت وطأة الحاجة والفقر ويُقبل مجتمعياً، فإنه يوفر فوراً الحاضنة والغطاء الممتد لـ «الفساد الكبير»؛ ووسائله، والذي بإيقافه تتعاظم موارد الدولة وينعكس على الرفاهية بدل الضيق، ذلك المتمثل بمعاناة الناس واستمرار النقص في موارد الدولة.

تطبيق القانون مدخل للإصلاح

هي دعوة إلى الوعي فإنصاف الموظفين والمتقاعدين، بتفعيل المادة 3 من قانون الرواتب والمادة 36 من قانون التقاعد، هذه لم تعد مجرد مطالب مالية فئوية؛ بل هي معركة للدفاع عن الأمن المجتمعي والنزاهة المؤسسية واسترداد كرامة الوظيفة العامة، كما إن صياغة سلم رواتب عادل وحقيقي يواكب التضخم المالي، ليس عبئاً مالياً إضافياً على الدولة، إن الفساد يسحق الشعب وأخذ يمس كرامتهم وهذا عظيم عند من يفهم.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب محمد صالح البدراني
أضيف 2026/09/30 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 134 الكلي 16585303
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير