إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي الجغرافيا التي تشعل صراع النفوذ
البحر الأحمر والقرن الإفريقي .. مخاطر إعادة التوازنات
علاء العاني
من طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر، إلى التنافس الإقليمي على الموانئ والممرات البحرية، تتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية في منطقة تقف عند مفترق طرق استراتيجي بالغ الحساسية.
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تعبره السفن التجارية وناقلات النفط بين آسيا وأوروبا، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتتصارع حولها حسابات الأمن القومي والنفوذ الاقتصادي والعسكري. وفي قلب هذه المعادلة تبرز منطقة القرن الإفريقي، بما تضمه من دول تتفاوت في قدراتها وإمكاناتها، لكنها تتشارك في التأثر المباشر بأي اضطراب يصيب أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وتأتي التوترات المتجددة بين اثيوبيا واريتريا، إلى جانب الأهمية المتزايدة لجيبوتي، لتعيد طرح موضوع جوهري حول مستقبل التوازنات في هذه المنطقة ، فهل تستطيع دولها التوصل إلى صيغة تعاون تحقق المصالح الاقتصادية المشتركة، أم أن التنافس على المنافذ البحرية سيقود إلى مرحلة جديدة من الصراعات التي تتجاوز حدودها الجغرافية؟
استقلال إريتريا وتحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة
شكل استقلال اريتريا عام 1993 نقطة تحول استراتيجية في تاريخ اثيوبيا الحديث اذ فقدت أديس أبابا منفذها المباشر إلى البحر الأحمر، وأصبحت دولة حبيسة تعتمد في جانب كبير من تجارتها الخارجية على الموانئ المجاورة، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي.
ومع اتساع الاقتصاد الإثيوبي وتزايد احتياجاته التجارية، لم تعد مسألة الوصول إلى البحر مجرد قضية لوجستية، بل أصبحت جزءاً من التصور الإثيوبي لمستقبله الاقتصادي والاستراتيجي. فالدولة التي تمتلك ثقلاً سكانياً واقتصادياً كبيراً في شرق إفريقيا تنظر إلى الاعتماد الكبير على الموانئ الخارجية باعتباره تحدياً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد.
غير أن هذه المعادلة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن حقوق الدول الساحلية وسيادتها. فالحاجة الاثيوبية إلى منفذ بحري، مهما كانت أهميتها الاقتصادية، لا تعني امتلاك حق تلقائي في الحصول على ميناء أو أرض ساحلية، وإنما تستدعي ترتيبات قانونية وتفاهمات سياسية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول.
ومن هنا، فان جوهر الأزمة لا يكمن في رغبة اثيوبيا في تنويع منافذ تجارتها، بل في الكيفية التي يمكن بها تحقيق هذه الرغبة دون إثارة مخاوف جيرانها أو تهديد استقرار المنطقة.
اريتريا وميناء عصب: عقدة الجغرافيا وحسابات السيادة
تحتل إريتريا موقعاً استراتيجياً على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتمتلك موانئ مهمة، أبرزها عصب ومصوع. ويكتسب ميناء عصب أهمية خاصة في الحسابات الإثيوبية بسبب قربه الجغرافي من الأراضي الإثيوبية، الأمر الذي يجعله محوراً أساسياً في النقاش حول خيارات الوصول إلى البحر.
لكن العلاقات بين البلدين تحمل إرثاً ثقيلاً من الحروب والصراعات وانعدام الثقة، على الرغم من التحسن الذي شهدته العلاقات عام 2018. وقد أعادت المطالب الإثيوبية المتجددة بالحصول على منفذ بحري إحياء المخاوف الإريترية من أن تتحول الاعتبارات الاقتصادية إلى ضغوط سياسية أو عسكرية.
وتتداخل هذه الخلافات مع قضايا أمن الحدود، والتوترات الداخلية الإثيوبية، والتنافس على النفوذ الإقليمي. ولم يعد الخلاف محصوراً في مسألة الموانئ، بل بات مرتبطاً بحسابات أوسع تتصل بأمن الدولتين ومستقبل العلاقات بينهما.
إن أي مواجهة عسكرية بين إثيوبيا وإريتريا لن تبقى بالضرورة محصورة في حدودهما ،إذ يمكن أن تؤثر في حركة التجارة والموانئ، وتدفع دولاً أخرى إلى إعادة النظر في ترتيباتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية. كما أن اتساع دائرة الصراع قد يفتح المجال أمام تدخلات خارجية تزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من احتوائها.
جيبوتي: من ميزة الموقع إلى أوراق النفوذ الاستراتيجي
في المقابل، تحولت جيبوتي إلى مركز رئيسي للتجارة الإثيوبية، مستفيدة من موقعها عند مدخل البحر الأحمر وقربها من الممرات البحرية الدولية. وقد عزز اعتماد إثيوبيا على موانئها مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية، وجعل منها شريكاً لا يمكن تجاوزه في حسابات أديس أبابا التجارية.
ولم تقتصر أهمية جيبوتي على التجارة والموانئ، بل امتدت إلى المجال العسكري والأمني، مع وجود قواعد ومنشآت عسكرية لدول كبرى، من بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا.
ويعكس هذا الحضور الدولي القيمة الاستراتيجية للموقع الجيبوتي، خصوصاً في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقة البحر الأحمر وخليج عدن.
ومع ذلك، فإن اعتماد إثيوبيا الكبير على منفذ واحد يظل مصدر حساسية اقتصادية، سواء بسبب تكاليف النقل أو احتمالات تعطل حركة التجارة نتيجة الأزمات الإقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن سعي إثيوبيا إلى تنويع خياراتها البحرية يمكن فهمه باعتباره توجهاً اقتصادياً طويل الأمد، شريطة أن يجري عبر الاتفاقات القانونية والتجارية، لا من خلال فرض الأمر الواقع. أما جيبوتي، فإن الحفاظ على دورها بوصفها مركزاً تجارياً إقليمياً يتطلب الموازنة بين الاستفادة من موقعها الجغرافي وتجنب الانخراط في تنافس إقليمي قد يهدد أمنها واستقرارها.
البحر الأحمر وباب المندب: أمن إقليمي يتجاوز الحدود
تنبع خطورة التطورات في القرن الإفريقي من ارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمثل إحدى أهم نقاط العبور البحرية في العالم. فاضطراب الملاحة في هذا الممر ينعكس على حركة التجارة الدولية وتكاليف النقل والتأمين، وقد يمتد أثره إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقد أظهرت الهجمات على السفن التجارية خلال السنوات الماضية مدى هشاشة الأمن البحري في المنطقة. كما أن التطورات الأمنية في اليمن والتوترات المحيطة بالممرات البحرية تؤكد أن أي تصعيد جديد على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر قد يتفاعل مع أزمات قائمة على الضفة الآسيوية، بما يضاعف المخاطر.
ولا تقتصر المشكلة على احتمال نشوب حرب مباشرة بين دولتين، بل تشمل أيضاً سباق التسلح، وتوسيع الوجود العسكري الأجنبي، وتنامي دور الجماعات المسلحة، واستخدام الموانئ والممرات البحرية أدوات ضغط سياسي واقتصادي.
ومن هنا، فإن أمن البحر الأحمر لا يمكن ضمانه من خلال ترتيبات ثنائية أو مقاربات عسكرية ضيقة، بل يحتاج إلى تفاهمات إقليمية تشمل الدول المطلة عليه، مع احترام القانون الدولي وحرية الملاحة، والحد من احتمالات تحويل الموانئ إلى نقاط انطلاق لصراعات جديدة.
مصر والسودان: انعكاسات مباشرة على الأمن القومي
تحتل مصر موقعاً محورياً في معادلة البحر الأحمر، ليس فقط لكونها دولة مطلة عليه، وإنما لارتباط أمنها البحري بقناة السويس، التي تمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية ومصدراً مهماً للاقتصاد المصري.
وأي تراجع في أمن الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، وعلى إيراداتها، فضلاً عن التأثيرات المحتملة في الاقتصاد المصري وتكاليف الاستيراد والتصدير.
كما أن التنافس بين إثيوبيا وإريتريا يكتسب حساسية إضافية بالنسبة إلى القاهرة في ضوء الخلافات القائمة حول مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تقارباً في بعض الملفات بين مصر وإريتريا، بالتزامن مع استمرار التوتر في العلاقات المصرية الإثيوبية.
ومن مصلحة مصر أن تظل منطقة البحر الأحمر مستقرة، وأن تتم حماية حرية الملاحة، وألا تتحول الخلافات الإقليمية إلى مواجهات مفتوحة تضر بالتجارة الدولية أو تزيد من حدة التوترات القائمة.
أما السودان، فيواجه وضعاً أكثر تعقيداً بسبب الحرب الداخلية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية.
فاضطراب المنطقة المحيطة به قد يزيد من صعوبة تأمين ساحله على البحر الأحمر، ويؤثر في الموانئ والبنية التحتية التجارية، ويضاعف الضغوط على الدولة السودانية في مرحلة تحتاج فيها إلى استعادة الاستقرار ومؤسسات الحكم.
كما أن أي صراع جديد بين إثيوبيا وإريتريا، أو تدهور إضافي في العلاقات بين دول الجوار، قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة لتداخل النزاعات المحلية مع المنافسات الإقليمية، وهو ما يجعل استقرار السودان مصلحة مشتركة لدول المنطقة.
اليمن: الضفة الأخرى للأزمة
لا يمكن تناول مستقبل البحر الأحمر بمعزل عن اليمن، الذي يشرف على الضفة الآسيوية لمضيق باب المندب، ويشكل استقراره عاملاً مهماً في أمن الملاحة البحرية.
فالتوترات الداخلية اليمنية والتهديدات التي تواجه السفن التجارية تمنح أي أزمة جديدة في القرن الإفريقي بعداً إضافياً. وإذا تزامنت الاضطرابات على الساحل الإفريقي مع تصعيد عسكري على الساحل اليمني، فقد يجد الممر البحري نفسه أمام ضغوط متزامنة من جانبيه.
ولا يقتصر تأثير ذلك على اليمن ومصر، بل يمتد إلى السودان وجيبوتي وإريتريا، فضلاً عن الدول المستفيدة من التجارة العابرة للبحر الأحمر.
كما أن تدهور الأمن البحري يضعف فرص التعافي الاقتصادي في اليمن، ويزيد من المخاطر التي تواجه الموانئ وخطوط الإمداد والمساعدات الإنسانية.
ومن ثم، فإن استقرار اليمن ليس مسألة داخلية فحسب، بل جزء من منظومة الأمن الإقليمي التي تربط الخليج والقرن الإفريقي وشرق المتوسط.
التنافس الدولي ومخاطر عسكرة المنطقة…
إلى جانب الحسابات الإقليمية، تتنافس قوى دولية على تعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بالنظر إلى أهمية المنطقة للتجارة العالمية وأمن الطاقة والعمليات العسكرية البحرية.
وتوفر الموانئ والقواعد العسكرية في جيبوتي، إلى جانب المواقع الساحلية في الدول المجاورة، فرصاً استراتيجية للقوى الخارجية لمراقبة حركة الملاحة وتعزيز حضورها في المحيط الهندي والبحر الأحمر.
لكن زيادة الحضور العسكري الأجنبي لا تعني بالضرورة زيادة الاستقرار، إذ قد تتحول المنافسة بين القوى الكبرى إلى عامل ضغط إضافي على الدول الصغيرة، وتدفع الأطراف الإقليمية إلى البحث عن حلفاء خارجيين بدلاً من تسوية خلافاتها عبر الحوار.
ويتمثل التحدي الأساسي في قدرة دول المنطقة على الاحتفاظ باستقلالية قرارها، وتجنب التحول إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من التعاون الاقتصادي والأمني الذي يحترم سيادتها ومصالحها.
الخيارات العربية لحماية أمن البحر الأحمر…
في مواجهة هذه التحديات، تبدو الحاجة ملحة إلى بلورة رؤية عربية مشتركة لأمن البحر الأحمر، تنطلق من المصالح المتبادلة للدول المطلة عليه، ولا تقتصر على ردود الفعل تجاه الأزمات المتلاحقة.
ويمكن أن تبدأ هذه الرؤية بتفعيل التنسيق السياسي والأمني بين مصر والسودان والسعودية واليمن والأردن، إلى جانب بقية الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وتطوير آليات مشتركة لمراقبة الملاحة ومكافحة التهريب والقرصنة، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات التي تستهدف الموانئ والسفن التجارية.
كما تبرز أهمية الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية وشبكات النقل والتجارة، بما يعزز المصالح الاقتصادية المشتركة ويحد من هشاشة الاقتصادات أمام الاضطرابات البحرية.
ويظل الحوار مع دول القرن الإفريقي، وفي مقدمتها إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا، ضرورة لا غنى عنها لضمان احترام السيادة الوطنية وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. فالمقاربة العربية المطلوبة لا ينبغي أن تقوم على إنشاء محاور متنافسة أو الدخول في سباق للتسلح، بل على بناء منظومة تعاون إقليمي متوازنة تحمي حرية الملاحة، وتصون المصالح العربية، وتمنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.
إن التطورات الجارية تفرض على دول المنطقة مراجعة طريقة تعاملها مع قضايا الوصول إلى البحر، وأمن الموانئ، وحماية الملاحة، والعلاقات بين الدول المتجاورة.
فإثيوبيا تحتاج إلى منافذ بحرية مستقرة وفعالة، وإريتريا تملك الحق في حماية سيادتها ومصالحها الساحلية، وجيبوتي تسعى إلى الحفاظ على دورها التجاري والاستراتيجي، بينما تحتاج مصر والسودان واليمن إلى بيئة إقليمية آمنة تحمي مصالحها الاقتصادية والأمنية.
ولا تتعارض هذه المصالح بالضرورة، إذا جرى التعامل معها ضمن إطار قانوني وتعاوني واضح. ويمكن لاتفاقات استخدام الموانئ، والاستثمارات المشتركة في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل الإقليمية، وآليات التشاور الأمني، أن توفر بدائل عملية عن منطق المواجهة.
كما أن تعزيز دور الاتحاد الإفريقي والهيئات الإقليمية، بالتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر، يمكن أن يسهم في احتواء الأزمات ومنع تحول الخلافات السياسية إلى نزاعات مسلحة.
البحر الأحمر بين فرص التعاون واحتمالات الصراع..
إن ما يجري في القرن الإفريقي ليس خلافاً عابراً حول ميناء أو منفذ تجاري، بل يعكس تحولات أوسع في موازين القوى الإقليمية، وفي طبيعة العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والأمن القومي.
فقد جعل استقلال إريتريا إثيوبيا دولة حبيسة، ومنح جيبوتي دوراً محورياً في تجارتها الخارجية، لكنه لم ينهِ حاجة أديس أبابا إلى البحث عن خيارات بحرية أكثر تنوعاً. واليوم، تتداخل هذه المسألة مع التنافس الإقليمي والدولي، ومع الأزمات الأمنية الممتدة من السودان إلى اليمن.
والخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف المصالح بحد ذاته، فذلك أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل في تحول الاختلاف إلى صراع مفتوح تُستخدم فيه القوة العسكرية والضغوط السياسية وسيلة لفرض الحلول.
إن مستقبل البحر الأحمر سيعتمد، إلى حد كبير، على قدرة دوله على الانتقال من سياسة التنافس على المواقع والنفوذ إلى سياسة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة والقانون الدولي. فإما أن يصبح هذا الممر الحيوي جسراً للتعاون والتنمية، وإما أن يتحول إلى بؤرة جديدة للصراعات التي لن تقتصر خسائرها على دول القرن الإفريقي، بل ستمتد إلى مصر والسودان واليمن، وإلى الاقتصاد العالمي بأسره.