الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يُفسد القهر أخلاق الإنسان

← بواسطة azzaman

حين يُفسد القهر أخلاق الإنسان

زينب طارق

 

لم يكتفِ ابن خلدون بتسجيل وقائع التاريخ، بل حفر تحتها ليكتشف قانونًا نفسيًا خطيرًا: أن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بغالبه، لأنه يظن كمال الغالب في عاداته وأخلاقه لا في قوته وحدها فقط. وهذا الاقتداء ليس إعجابًا بريئًا، بل هو الوجه الأول لما يمكن تسميته «خُلق الذل»: انسحاق داخلي يجعل المقهور يعيد تشكيل ذاته على صورة من قهره، فيفقد تدريجيًا معيار الحكم على نفسه وعلى العالم.

فإذا طال بالإنسان التهميش، وضاقت أمامه سبل المشاركة والاعتراف، لا يفقد حقوقه وحدها، بل شيئًا من إحساسه بإنسانيته. يتحول تدريجيًا إلى كائن غارق في ضرورات البقاء، تضيق دائرة اهتمامه حتى لا تكاد تتجاوز الطعام والمأوى والأمان. وليس في ذلك دليل على أن المقهور وُلد ناقص الأخلاق، بل على أن القهر يدفعه إلى العيش في حالة طوارئ دائمة، كأنه يكافح للبقاء في غابة لا في مجتمع.

الأخلاق، في هذا المعنى، ليست معطى جامدًا يولد مكتملًا في داخل الإنسان، بل كائن حي يتغذى من الحرية، وينمو في بيئة الثقة والعدل، ويذبل حين يُحاصر بالخوف والإذلال. الكرم يحتاج إلى قدر من الأمان، والصدق يحتاج إلى مساحة لا يُعاقب فيها صاحبه على قول الحقيقة، والتعاطف يحتاج إلى قلب لم تستنزفه الحاجة والتهديد. وحين تُغلق هذه المساحات، يُدفع ما كان في قمة النفس من فكر وكمال إلى القاع، بينما تصعد إلى الواجهة غرائز الخوف والأنانية وحب التملك، لا لأن الإنسان اختار الشر اختيارًا حرًا، بل لأنه أُكره على تدبير حياته في شروط قاسية.

ويكفي أن نتأمل ما يحدث في المجتمعات التي طال حصارها، الفعلي أو الرمزي: يبدأ الجار يرى جاره منافسًا على رغيف لا شريكًا في محنة، وتنكمش دوائر الثقة حتى تقتصر على الأسرة الصغيرة أو العصبة الضيقة، وتصبح الكذبة الصغيرة، أو الغش في ميزان، أو الوشاية، أفعالًا يبررها الجميع بمنطق واحد: «هكذا يفعل الآخرون، وإلا هلكتُ». هذا ليس انحلالًا أخلاقيًا عشوائيًا، بل إعادة ترتيب دقيقة لسلّم القيم يفرضها الخوف من الغد.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ فساد الأخلاق في المجتمعات المقهورة قراءة سطحية، فنلوم الضحية قبل أن نسأل عن البيئة التي صنعت سلوكها. إن الإدانة الأخلاقية لا تكفي وحدها، لأن السلوك المنحرف قد يكون أحيانًا أثرًا من آثار الظلم المتراكم، لا تعبيرًا عن جوهر ثابت في الإنسان. ومع ذلك، فإن فهم الأسباب لا يعني تبرير الأذى؛ فالظلم يفسر الانحراف، لكنه لا يحوله إلى فضيلة، والمسؤولية تبقى قائمة، وإن كانت درجاتها تتأثر بمقدار الحرية المتاحة.

في ظلال هذا العنف المستمر، يتحول العقل من أداة لفهم العالم إلى أداة لخداعه: يبدأ الإنسان بتبرير ما لا يرضاه، وتجميل ما يؤذيه، واعتبار التنازل عن كرامته ضربًا من الحكمة. وحين يفقد الناس قدرتهم على تخيل مستقبل أفضل، لا يعودون يطلبون العدالة، بل يطلبون فقط حصة أقل قسوة من الظلم.

ولعل درس ابن خلدون الأعمق، حين نُسقطه على زماننا، أن مقاومة هذا الانحدار لا تبدأ بالوعظ وحده، بل بكسر حلقة الاقتداء بالغالب: بإعادة الإنسان إلى المجال الذي تنمو فيه الأخلاق، مجال الحرية والاعتراف والعدل. فالمجتمع لا يصلح أفراده بإخافتهم، وإنما بمنحهم سببًا حقيقيًا للثقة، وبناء مؤسسات تحمي الضعيف، وتفتح أبواب المشاركة، وتعيد له شعوره بأنه أكثر من جسد يطلب الطعام، وأكثر من غريزة تبحث عن النجاة.

فالحرية إذن ليست حقًا سياسيًا فحسب، بل هي التربة التي تنبت فيها إنسانية الإنسان. وحين تُسلب طويلًا، لا يذبل الفرد وحده، بل تذبل معه روح المجتمع كله، ويبقى السؤال معلقًا: كم من الأخلاق التي نُدين بها الآخرين اليوم، هي في حقيقتها ثمرة حرية لم يُتَح لهم قط أن يذوقوها؟

 


مشاهدات 23
الكاتب زينب طارق
أضيف 2026/09/28 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 11:57 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1828 الشهر 49110 الكلي 16581630
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير