الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إحتكار القلة.. حين يصبح السياسيون سوقاً مغلقاً

بواسطة azzaman

إحتكار القلة.. حين يصبح السياسيون سوقاً مغلقاً

حمدي العطار

 

في علم الاقتصاد، يستخدم مفهوم «احتكار القلة» للدلالة على سوق تسيطر عليه مجموعة صغيرة من البائعين، بحيث لا يكون هناك بائع واحد يحتكر السلعة بالكامل، ولا منافسة كاملة تسمح بدخول عدد كبير من المتنافسين. وفي مثل هذا السوق، غالباً ما تحرص المجموعة المحتكرة على الحفاظ على مصالحها، لأن أي منافسة حادة بينها قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار وإلحاق الضرر بالجميع.

ولعل من أبسط الأمثلة على ذلك بعض الأسواق التي تتقارب فيها أسعار السلعة المعروضة، بحيث يجد المشتري نفسه أمام مجموعة من البائعين، لكن من الصعب أن يجد بينهم فارقاً كبيراً في السعرمثل «سوق السمك»

لكن ماذا لو نقلنا هذا المفهوم الاقتصادي من السوق إلى الساحة السياسية؟ هل يمكن أن تكون العملية السياسية نفسها أقرب إلى «احتكار القلة»؟

قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، لكنه يصبح أكثر إثارة للتأمل عندما نراقب المشهد السياسي بعد كل انتخابات. فالأسماء نفسها تكاد تتكرر، وإن تبدلت المواقع والأدوار. وزير ينتقل من حقيبة إلى أخرى، ونائب يصبح وزيراً، ووزير يدخل إحدى الرئاسات الثلاث، ومن لم يحالفه الحظ في الوصول إلى البرلمان قد يعود إلينا من «الشباك» مستشاراً أو وكيلاً لوزارة أو مديراً عاماً بدرجة خاصة أو سفيراً.

المهم ألا يخرج السياسي من «السوق»!

وهنا أتذكر عبارة عراقية ساخرة ظلت ترافقني منذ سنوات: «خلوها ترجية بأذنكم.. مدرس ما ينطي بمدرس». حين كنا في المرحلة المتوسطة، كان لدينا مدرس رياضيات، يبدو أنه كان يستيقظ صباحاً وفي فمه «طاقة» كبيرة من الشتائم! كلما أخطأ أحد الطلاب في حل مسألة، انهال عليه بالسباب، ولم تسلم منه خالة ولا عمة.

جنود ميسورين

قررنا أن نذهب إلى المدير ونشتكي عليه. استمع إلينا المدير، ثم قال: «أنا سوف أتكلم مع المدرس وأنهي الموضوع». في صباح اليوم التالي دخل مدرس الرياضيات إلى الصف غاضباً لكنه هذه المرة غير قائمة الأقارب فبدلاً من الخالة والعمة، بدأ بشتم الأم، ثم قال ساخراً:

«خلوها ترجية بأذنكم.. مدرس ما ينطي بمدرس».

فهمنا الرسالة جيداً وقررنا ألا نشتكي على مدرس أمام مدرس آخر!

ومضت السنوات وجاءت العسكرية فإذا بنا نعيش الحكاية نفسها ولكن بزي عسكري.

كان في معسكرنا ضابط فاسد يتلقى الرشى من بعض الجنود الميسورين فيراعيهم في النزول والواجبات ولا يعاقبهم بينما يشدد العقوبات على بقية الجنود.

قررنا أن نشتكي عليه عند آمره المباشر. استقبلنا الآمر وقال العبارة نفسها تقريباً: «أنا سوف أكلمه وأنهي الموضوع».

وفي اليوم التالي جاء الضابط غاضباً وبدأ بفرض عقوبات قاسية علينا، ثم قال ساخراً:

«تشتكون علي عند الآمر؟ مو ثلاثة أرباع اللي آخذه أعطيه للآمر! خلوها ترجية بأذنكم.. ضابط ما ينطي بضابط».

وهكذا أصبح لدينا «تراجي» بدل الواحدة اثنتان!

لكن الحكاية في الحقيقة لم تعد فقط حكاية عن مدرس أو ضابط، وإنما تحولت إلى استعارة تصلح لفهم جانب من جوانب الحياة السياسية. فحين تصبح المواقع والنفوذ والامتيازات محصورة بين مجموعة محدودة من الأشخاص، يصبح الحديث عن التغيير والإصلاح أكثر صعوبة، لأن أي إصلاح حقيقي يعني بالضرورة كسر قواعد السوق المغلق وإدخال منافسين جدد. ومن هنا تأتي صعوبة الإصلاح السياسي، فالمتحمسون له يريدون كسر «سعر احتكار القلة السياسية»، بينما المستفيدون من هذا الاحتكار لا يرغبون بالتأكيد في أن يتحول السوق إلى سوق منافسة كاملة!

وربما لهذا السبب تبدو العبارة الشعبية «سياسي ما ينطي بسياسي» أقرب إلى توصيف ساخر لواقع سياسي من كونها مجرد نكتة عراقية. لقد حاول رئيس الوزراء علي الزيدي، في بعض الملفات، الاقتراب من هذه المنطقة الحساسة من خلال إجراءات لمكافحة الفساد وملاحقة بعض المتورطين، وهو طريق ليس سهلاً لأنك عندما تحاول تغيير قواعد السوق فإنك لا تواجه مشكلة في السلعة وحدها وإنما تواجه أصحاب السوق أنفسهم. والسياسة مثل الاقتصاد، لها أسواقها وقواعدها ومحتكروها ومنافسوها. فهل نحن مقبلون فعلاً على الانتقال من «احتكار القلة السياسية»إلى سوق» المنافسة الكاملة»؟ أم أننا سنظل ندور في الحلقة نفسها مع تغيير المواقع والأدوار فقط؟ هذه المسألة تحتاج إلى حديث آخر عن مفهوم اقتصادي آخر هو «المنافسة الاحتكارية»، وربما نشرحه قريباً لنرى إن كانت السياسة العراقية أقرب إلى سوق السمك، أم إلى سوق التعليم، أم إلى سوق العسكر! وفي كل الأحوال، تبقى الترجية في الأذن، حتى إشعار آخر!


مشاهدات 38
الكاتب حمدي العطار
أضيف 2026/09/23 - 12:59 AM
آخر تحديث 2026/09/23 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 38573 الكلي 16571093
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير