الديوان الشعري لناز عدنان البوتاني شمووسٌ ووطن.. حين يصبح الشعر مساحةً للبوح والإنتماء
سارة كريم
ليس من السهل أن يضع الشاعر تجربته الأولى بين يدي القارئ فالديوان الأول لا يكون مجرد مجموعة قصائد ونصوص، بل يكون في كثير من الأحيان، صورةً عن الطريق الذي قطعه صاحبه في بحثه عن صوته وعن اللغة التي وجد فيها مساحةً للتعبير عن ذاته وما يحيط بها وعن كل التحديات التي واجهته.
في ديوان "شُموس ووطن " للشاعرة ناز عدنان البوتاني، نجد تجربة تتكئ على محورين واضحين، ذاتٌ تبحث عن الحب والبوح والذاكرة، ووطنٌ حاضر بوصفه ذاكرةً وانتماءً ووجعًا وأملًا. وبين هذين المحورين تتوزع نصوص الديوان، فتارةً يعلو صوت العاطفة، وتارةً يتقدم صوت المكان والهوية، وتارةً تستعيد الشاعرة شيئًا من الطفولة والذاكرة.
ومن اللافت في تجربة الشاعرة ميلها إلى اللغة العربية ذات النفس التراثي، ولا سيما في قصائدها العمودية، حيث تحاول أن تستفيد من المعجم الشعري العربي وإيقاعه، إلى جانب حضور واضح للنصوص النثرية التي تمنحها مساحةً أوسع للحركة بين الصورة والتأمل والبوح. وهذا التنوع يكشف عن رغبة في عدم حصر التجربة في شكل شعري واحد، والبحث عن المساحة التي يمكن أن تتنفس فيها الفكرة والصورة معًا.
فالشاعرة لا تسير في طريق شعري واحد، نجد القصيدة العمودية بما تحمله من صلة واضحة بالموروث العربي وإيقاعه، ونجد في المقابل نصوصًا أكثر حرية، تتحرك فيها الجملة وفق إيقاع داخلي، وتمنح الصورة مساحةً أوسع. وهذا التنقل يكشف عن شاعرة واعية باتساع إمكانات اللغة، وراغبة في أن تمنح كل تجربة الشكل الذي يليق بها.
إن الشاعرة لا تكتب من منطقة واحدة في داخلها.
فالحب عندها ليس مجرد غرض شعري، والوطن ليس مجرد قصائد تُكتب في المناسبات كلاهما يبدو جزءًا من تكوينها الوجداني. في نصوص الحب تحضر المسافة والانتظار والذكرى والبوح، وفي نصوص الوطن يحضر المكان بما يحمله من ذاكرة وهوية وتاريخ وألم وأمل.
لغة احتفالية
وفي بعض النصوص، حين تخف النبرة العالية قليلًا، تقترب الشاعرة أكثر من نفسها. وقد استوقفتني في الديوان تلك النصوص التي تقترب من الذاكرة والطفولة والإنسان، لأن فيها ملمحًا مختلفًا عن اللغة الاحتفالية التي تظهر في بعض القصائد. هناك، أشعر أن الشاعرة لا تحاول أن تقول للقارئ انظروا، أنا أكتب شعرًا وإنما تترك التجربة تتقدم أولًا، ثم تأتي اللغة لتحتضنها.
أما في نصوص الوطن، فقد وجدتُ حضورًا واضحًا لكوردستان والعراق، ليس بوصفهما اسمين جغرافيين، وإنما بوصفهما ذاكرةً وهويةً ومكانًا يسكن الشاعرة. وتظهر رغبتها في استعادة التاريخ، واستحضار الأرض، وربط الماضي بالحاضر، وهو ما يمنح هذه النصوص اتساعًا يتجاوز التجربة الفردية إلى إحساس أوسع بالانتماء. ويظل "العراق – أبجدية الطين" مثالًا واضحًا على هذه الرغبة في النظر إلى الوطن من خلال طبقاته المتراكمة، من التاريخ إلى المكان، ومن الطين إلى الحرف، ومن الذاكرة القديمة إلى العراق الذي تعرفه الشاعرة اليوم. وهي فكرة جميلة في أصلها، لأنها تجعل الكتابة عن الوطن محاولةً لقراءة جذوره، لا مجرد تعداد لمآثره.
وفي "شُموس ووطن" أجد هذه البداية واضحة.
أجد شاعرة تحب اللغة، وتؤمن بأن الشعر يمكن أن يكون وطنًا، وأن القصيدة يمكن أن تحمل ذاكرة الإنسان كما تحمل الأرض ذاكرة أبنائها. وأجد أيضًا رغبةً في أن تكون القصيدة مساحةً تتسع للحب والانتماء والحزن والطفولة والتأمل.
ففي هذا الديوان شغف واضح باللغة، واحتفاء بالصورة، ومحبة للحب والوطن والذاكرة، ومحاولة جادة للعبور بين أشكال شعرية متعددة. وهذه كلها ملامح تمنح هذه البداية خصوصيتها، وتفتح أمام الشاعرة طريقًا واسعًا لمزيد من الكتابة والاكتشاف.
وفي النهاية، يظل "شُموس ووطن" ديوانًا يحمل ملامح صوتٍ شعريً يستحق أن يُلتفت إليه، وتجربةً أولى تقول الكثير عن شاعرةٍ تملك شغف اللغة وصدق الشعور. ولأن بعض البدايات لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تُثبت حضورها، يكفي أن نقول إن ناز عدنان البوتاني كتبت أول الطريق بما يليق بشاعرةٍ تحب الشعر، وبما يجعلنا ننتظر من قلمها الكثير.
مبارك لناز هذه الولادة الشعرية الجميلة، ومبارك للشعر أن أضيفت إليه شُموسها الأولى.