الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أوربا تحتضر.. تشتعل .. تحترق وتتحسّر

← بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

أوربا تحتضر.. تشتعل .. تحترق وتتحسّر

لويس إقليمس

 

لات ساعةَ مندمٍ!!! أوربا اليوم، تندبُ حظّها وسط نيران مشتعلة من الغضب وعدم الرضا وتقاطع الرؤى بين الشعب والساسة. فيما زادت ساعةُ الندم هذه من وقع دقّاتها في هذه الأيام، تنبيهًا خطيرًا باحتضارٍ مرتقب وقريب لبيتها الزجاجي الهش بعد استنفاذ كل الاجراءات والترتيبات والقرارات الترقيعية، سواءً ما هو قيد النقاش حكوميًا وبرلمانيًا ومجتمعيًا وإعلاميًا، أو تلك المتوقعة الحدوث في قادم الأيام مع اشتداد قسوة الاحتجاجات التخريبية التي خرجت عن السيطرة. تلكم حالُ العديد من بلدانها، ومثالُها الحيّ، فرنسا بلد الحريات والجمال والفن. فبعد أسابيع على بدء فوضى الاضطرابات المتصاعدة بشراسة في هذا البلد الجميل التي انطلقت شرارتُها في 21 من أيلول الماضي 2026، انقلبت لهجة التظاهرات الطلابية والكوادر التعليمية المطالبة بتحسين أوضاعها لتستغلّها أطرافٌ ماكرة ثالثة تناولت معاول التحطيم والتخريب والحرق بأياديها الدخيلة القذرة مقترنةً بعمليات نهب وسلب وسطو وسرقة واعتداءات مخجلة على مؤسسات ومباني وممتلكات عامة وخاصة وتدمير معالم وضرب رموز السلطة حافظة النظام. وبحسب معطيات، هناك مَن يرى أنّ هذه الفوضى المفتعلة استغلها أقصى اليسار المتطرف وحلفاؤُه من التيار الماركسي ومثيله الإسلاموي الراديكاليّ المرتبط أساسًا بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة مؤخرًا باعتبارها منظمةً إرهابية دولية وانضمام أصحاب السترات الصفراء إليها مؤخرًا، ليأخذَ منحىً مغايرًا في معاداة الثقافة والهوية المسيحية المتمثلةً بمحاربة العلمنة التي تشكلُ الديمقراطية أحد أركانها الأساسية بناءً على مبادئ الثورة الفرنسية. وضمن ذات المنهج المتطرف، تستغلّ هذه الأطراف السياسية التحريضية المدعومة خارجيًا من لوبيات معادية للغرب الأوربي بسبب ما يجري على الساحة من حروبٍ عبثية للترويج لصالح أجنداتها بتغيير الأنظمة والوصول إلى السلطة. لذا وفي ضوء الفوضى العارمة التي تضرب هذه الأيام مجتمعاتٍ أوربية بأكملها، يُثار اعتقاد بفوات أوان استحضار كلّ المبرّرات والحجج والأعذار التي لأجلها فتحتْ بلدانُ الغرب أبوابَ الجحيم على شعوبها المتطبعة بأخلاق وسلوكيات وفلسفاتٍ تتناقض مع عناوين ومناهج الدخلاء القادمين من بلدان الضيم والقهر والطغيان والتخلّف حاملين أو مدفوعين بأيديولوجيات عقائدية متطرفة، سلبية، حاقدة، ممنهجة، وسالبة في معظمها لكلّ خيرٍ وبركة ومحبة. فقد اشتكى مواطنوها الأصليون من سلوكيات شرائح مهاجرين ولاجئين غير منضبطين أثبتوا انتماءًهم لصفوف الرعاع من حثالة الشعوب المتخلفة التي غُرست في عقولها أفكارٌ متشددة هدفُها غزو بلدان الغرب «الكافر» بهدف تغيير هويتها الحضارية والثقافية والمسيحية على السواء.

حقيقة مؤلمة وصادمة

يبدو أنّ حقيقة الغرب الأوربي المعجَب بقدراته والعائش في أوهامه الاستعمارية الاستعلائية قد انتهت ودخلَ مرحلةً جديدة في مواجهة الحياة، سياسةً وأرضًا واقتصادًا وعلمًا وإدارةً وفكرًا ومجتمعًا وما سواها. فهو يواجه اليوم معضلةً معقدة في إدارة مؤسساته ورعاية شعوبه، بل يعيش حقًا مرحلةً عويصة لا تنتظرُ التفكير المطوَّل في حلّ تعقيداتها أو التساهل والتباطؤ في اتخاذ القرار الصحيح الصعب الذي قد يقطع الطريق أمام انهيارٍ أعظم وتقهقرٍ أكبروخسارة أشدّ في مستقبل أجياله وفي مصيره الوطني والاقتصادي والسياسيّ فرادىً وجمعًا. فهناك مَن يرى أنَّ غيابَ حُسنِ تدبير البيت الغربي بسبب استراتيجته الخاطئة في استيعاب جموع المهاجرين وأفواج اللاجئين بلا تمييز ولا تمحيص، قد خلقَ أشكالاً وأبعادًا غير قابلة الإصلاح في استعادة بوصلة النهج الوطني لمجموع بلدان القارة العجوز التي عانت وماتزالُ من عقر بطون نسائها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نتيجةً لتوجُّه الاهتمامات العامة لشعوبها نحو مختلف أدوات الترفيه واللهو والراحة والترف والرفاهية وحب الذات، ناهيك عن أدواتٍ غيرها من الانحطاط المجتمعي المشبوه أصلاً. وهذا ممّا أوهمَ وأوقعَ حكومات الغرب للتماهي مع دعاة فتح أبواب بلدانه لتعويض النقص في قواه البشرية من أجل تشغيل ماكنته الصناعية المتعثرة تلبيةً لنداءات منظمات إنسانية ومؤسسات مجتمعية. فكانت النتيجة عكسية حين استقبال كلّ مَن هبَّ ودبَّ من حثالة الأقوام ورعاعهم من المغضوبِ عليهم في بلدانهم الأصلية بحجة التعاطف مع ظروفهم وتلبيةً لنداءات منظمات حقوق الإنسان المنافقة حين رفضَ معظمُ القادمين «الغزاة» الاندماجَ في مجتمعات «الكفر» الغربية التي قصدت بلدانَها بتحريضٍ من جماعات راديكالية استخدمت التقية سبيلاً للإقامة والتجنّس. وبالرغم من أنّ بلدان هذا الغرب «الكافر» مجتمعةً هي التي استقبلتهم بالأحضان وغمرتهم بشتى برامج المساعدات الإنسانية والاجتماعية والرعاية الصحية والتعليمية بطيبة نفس وحُسن نية ومحبة دينٍ سَمِحٍ متسامحٍ استمعَ وأصغى وطبّقَ وصية المحبة في سلوكه اليومي وحسّه الديني وبُعده الوطني، إلاّ أنّ مجتمعاتٍ واسعة من هؤلاء قد تنكروا للجميل بغدرهم بالمُضيف الطيّب. وهل أكثر من تصريح بعضهم بكلّ وقاحة:» لم نأتي لنعيش في ديار الغرب الكافر، بل لغزوها وإدخالها في ديننا». مِن هنا إذن، بدأت قصة «القشّة» التي قصمت ظهر القارة العجوز بالرغم من نصائح الحذر التي وُجهت للحكومات والأحزاب والأفراد من أصدقاء وأطراف حريصة على نهج الحياة الغربية، بالحفاظ على ثقافتها ورفاهيتها وخصوصياتها. لكنها أبت إلاّ أن تضع مصير بلدانها وشعوبها في مهب الريح وفي كفّ الغباء!

لا دواء إلاّ بالكيّ الجائر

رأينا الصور التخريبية المقزّزة في كلٍّ من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها من دول العالم المتأثرة بهذه الظاهرة ومنها أميركا وهي تحترق على أيدي المحتجّين «الغوغائيين» في تعاملهم سواءً إتجاهَ مؤسسات الدولة أو المباني العامة أو متاجر القطاع الخاص المترافقة مع رفع شعارات غريبة وأعلام فلسطينية وجزائرية ومغاربية حصرية، والتي لا تتصل أصلاً بجوهر مطالب وأهداف الاحتجاجات الطلابية. وبهذه الأعمال، فقد ظهر نفاقُ داعمي المحتجين على وسائل التعليم المتراجعة عند دخول أطرافٍ ذات أجندات سياسية عابرة لهدف  إصلاح التعليم ممّن أوغلت في أعمال العنف والتخريب والتدمير التي تولتها جماعات الملثمين المقنَّعين بالسواد من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم. فتلكم من علامات ورموز مَن يقف وراءهم بلا شكّ، ما يشيرُ ايضًا لكونها حركةً احتجاجية عبثية وغير أخلاقية، ولا تمتّ للمطالب الطلابية والتعليمية الأساسية التي كان ينبغي أن تُعالج عبر النقاش والحوار والتفاهم. وممّا ساعدَ في تفجير الأوضاع والأحداث، استخدامُ هذه الأطراف لأدواتها المهاجرة من حملة أجندة الغزو الكمّي لبلاد الغرب «الكافر» في بواطنها مستخدمةً اختراقها للتركيبة السكانية الأصلية ليس في أوربا فحسب، بل كما في غيرها من قارات العالم. فقد تولت قيادات متقدمة من شرائح المهاجرين واللاجئين ممّن سنحت لهم ظروف التجنيس والعمل والحقوق بارتقاء مناصبَ متقدمة في حكومات غربية لتكون نواةً لانتفاضاتها في هذه البلدان. ومن هنا اكتسبت هذه العناصر شرعيتها المخادعة عبر صناديق الاقتراع الديمقراطية التي جرى استغلالُها بدعمٍ من هذا اللوبي المهاجر وأحزاب اليسار المعارض.

إنّ الشعب الفرنسي الأصيل مثل غيره من شعوب بلدان أوربا الأصلية بحسب استطلاعات راصدة، لم ينزل إلى الشارع بهدف تحطيم دوائر بلاده وتكسير واجهات المحلات التجارية وتدمير البنية التحتية من مدارس ومؤسسات تعليمية وأرصفة ومعالم ومقارعة رجال الشرطة وعناصر الدفاع المدني.

فهذه ليست من أخلاقه ولا من ضمن سلوكياته، بل بقي الشرفاء منهم في منازلهم يترقبون ويرصدون المخالفات وأشكال الاعتداءات التي تجاوزت حدود المواطنة الشريفة والضيافة الاجتماعية والرعاية الانسانية. كما ذرفَ بعضُ مواطنيه دموعًا صادقة راثين لحالة بلادهم وما آلت إليه بسبب سوء إدارة الحكومات أولاً وتردّدها وتماهلها في اتخاذ القرارات الصائبة بحق الأطراف التحريضيّة والمتحالفين معها من حثالة المهاجرين واللاجئين والمتطرفين الراديكاليين من الإسلامويّين الحاقدين على نظام العلمنة الذي من شأنه الحفاظ على القيم الليبرالية والتنويرية المسيحية والغربية الخاصة التي تشكل جوهر هوية شعوب القارة. فمثل هؤلاء الرعاع والفوضويين واللصوص، لن ينفع معهم أيُّ دواء صيدلاني معتاد، بل علاجُهم الفاعل لن يكون سوى بالكيّ  الجائر والاجراء الكيمياوي الفعّال عبر الطرد القسري والفوري من البلاد أو المحاكمة العادلة لسواهم ممّن التحق أو سيلتحق بهم من أطراف داخلية انتهازية منتفعة، وذلك باستخدام قوّة القانون بكلّ صرامة وقساوة بحق كلّ مَن سوّلت له نفسُه وسمحتْ أفكارُه الهدّامة بتهديد استقرار هذه البلدان.

               هناك قاعدة سلوكية عامة: كلّما تراجعت الدولة في قراراتها تتقدّم البربريةُ خطوةً إلى الأمام، وكلّما اهتزّت في قدراتها يأخذُ العنفُ دورَه بفرض هيبته وسط المجتمع عبر اساليب شتى ومنها قاعدة استخدام «التقيّة». فمن أولى سمات هذه الأخيرة التأقلمُ والتماهي مع الأوضاع السياسية والمجتمعية عبر منظمات مدفوعة الأجر وجمعيات وأحزاب مخترقة أساسًا لهذا الغرض. وهذا هو الفخ الذي وقعت فيه أوربا وعموم دول الغرب. لذلك، كان لا بدّ من فرض النظام عبر تنفيذ القانون وحلّ جميع العقد والكتل السوداء والقضاء على ميليشيات الحركة التخريبية التي لا تمتُّ بالصلة للمطالب الطبيعية المشروعة للطلبة والكوادر التعليمية في فرنسا أو في غيرها من بلدان القارة بأية أعذار غيرها. وعندما تفرض الدولة هيبتَها بمحاكمة سريعة وآنية ومن دون تأخير، وتضرب على أيدي مفتعلي أعمال الشغب والفوضى ومحرّضيهم ومطاردتهم بلا هوادة وتحميلهم غرامات وسداد ما تمّ تحطيمُه وتكسيرُه وسلبه ونهبه وسرقته من دون توانٍ أو تهاون أو تماهل، حينها فقط يعود النظام والاستقرار في الشوارع والساحات والمؤسسات والمنازل وتستعيد بلدانُها سلامَها المفقود. فهل تستعيد القارة الأوربية المفجوعة مبادرة صائبة وعاجلة لإصلاح الأحوال وتغيير السياسات لدرء حربية أهلية محتملة؟

في اعتقادي، في الأخير تبقى أوربا أرضًا وبلادًا للأوربيين الأصليين وليس لغيرهم من غزاة العصر والطامعين بأراضيها وطقوسها وحضارتها وفنونها وجميلاتها. ويبقى هذا مفهومًا غير قابل للتفاوض والتنازل والتراجع لدى مواطنيها الأصليين وغيرهم من الراغبين ببقاء شعلة الغرب متقدة في حضارتها وإرثها وثقافتها ومسيحيتها. فالقيم الغربية تبقى ثابتة لا نقاشَ عليها ضمن حدود القانون الذي يتقدّمُ على غيره من أية شرائع أو ثقافات دخيلة!

 


مشاهدات 77
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/10/24 - 2:17 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 3:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 328 الشهر 46697 الكلي 16631866
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير