الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح اللقب أرخص من الفكرة

← بواسطة azzaman

من هو المفكر؟

حين يصبح اللقب أرخص من الفكرة

كامل الشرقي

 

في العراق، يبدو أن لدينا مشكلة لا علاقة لها بنقص المفكرين، بل بكثرة الذين يُسمَّون مفكرين!يكفي أن يطول عمر أحدهم في السياسة، أو أن يعتاد الجلوس أمام الكاميرات، أو أن يصبح وجهًا مألوفًا في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، حتى يجد نفسه ذات صباح وقد أُضيف إلى اسمه لقب جديد: «المفكر».وهكذا، وبضربة واحدة من قلم صحفي أو مجاملة ثقافية، يتحول السياسي إلى مفكر، والمتحدث إلى صاحب مشروع فكري، والظهور التلفزيوني إلى شهادة دكتوراه في المعرفة!لكن، السؤال المهم هنا هو .. من قال إن كثرة الكلام فكر؟ومن قال إن طول البقاء في المشهد السياسي يمنح صاحبه مرتبة فكرية؟ومن أين جاءت هذه القاعدة العجيبة التي تجعل عدد سنوات الظهور معيارًا للعمق، وعدد المقابلات التلفزيونية دليلًا على الثقافة؟لو كان الأمر كذلك، لكانت شاشات التلفزيون أكبر جامعات العالم، ولكان أكثر الناس ظهورًا فيها أعظم مفكري البشرية!الحقيقة أن الفكر اكثر تواضعا واشد قسوة من الالقاب.

والمفكر الحقيقي لا يصنعه الميكروفون، ولا تمنحه القناة الفضائية، ولا يخرج من رحم المنصب السياسي. إنه يصنع نفسه بالقراءة، والبحث، والتأمل، والسؤال، والشك، والمراجعة، والقدرة على إنتاج فكرة تستحق أن تعيش بعد صاحبها.المفكر ليس من يملك إجابة عن كل شيء، بل من يملك الشجاعة ليسأل عن الأشياء التي اعتدنا ألا نسأل عنها.ليس من يتحدث في كل قضية، بل من يجعلنا نفكر في القضية بصورة مختلفة.ليس من يعرف كيف يقنع الجمهور، بل من يضيف إلى المعرفة ما يجعل الأجيال اللاحقة قادرة على فهم عالمها بصورة أعمق.ثمة فرق هائل بين رجل يتحدث عن الفكر ورجل ينتج الفكرالأول قد يكون خطيبًا بارعًا.والثاني قد يكون صاحب مشروع

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام ظاهرة عراقية تستحق التأمل: لماذا نوزع لقب «المفكر» بهذه السهولة؟

هل لأننا نبحث عن أسماء كبيرة نضعها في واجهة المشهد؟

أم لأننا فقدنا المعايير التي تميز بين السياسي والمثقف، وبين الكاتب والمفكر، وبين صاحب الرأي وصاحب المشروع الفكري؟إن إطلاق الألقاب بلا معايير ليس بريئًا تمامًا؛ لأنه حين نرفع شخصًا إلى مرتبة لا يستحقها، فإننا في الوقت نفسه نظلم من استحقها ولم يحصل عليها.فما قيمة أن نضع لقب «مفكر» أمام اسم شخص لم يكتب كتابًا مؤثرًا، ولم يقدم نظرية، ولم يطرح مشروعًا معرفيًا، ولم يضف مفهومًا، ولم يترك بحثًا يمكن أن يكون موضوعًا للنقاش والنقد؟

وما الذي سنقوله للأجيال المقبلة حين تبحث عن مفكري العراق فتجد أمامها قائمة طويلة من الوجوه التي اشتهرت بالكلام أكثر مما اشتهرت بالإنتاج المعرفي؟هل نريد أن نعيد كتابة تاريخنا الثقافي على طريقة برامج المنوعات؟

خطأ أخر

هل أصبح المعيار:من يظهر اكثر فهو اعمق إذا كان الأمر كذلك، فلن نحتاج بعد اليوم إلى مكتبات ولا جامعات ولا مراكز أبحاث.

يكفي أن نملك استوديو تلفزيون!

هناك خطأ آخر لا يقل غرابة، وهو الاعتقاد بأن مرور السنوات يمنح الإنسان تلقائيًا الحكمة والفكر.

العمر يمنح الإنسان تجربة، لكنه لا يمنحه بالضرورة فكرا

قد يعيش إنسان ثمانين عامًا، لكنه يكرر الفكرة نفسها التي قالها قبل أربعين عامًا.

وقد يعيش آخر نصف ذلك العمر، لكنه يفتح في سنواته القليلة أبوابًا جديدة للمعرفة.

فالسنوات لا تنتج الفكر وحدها فما يفعله الانسان بسنواته هو الذي يصنع قينتها

ولهذا لم يقل التاريخ إن فلانًا كان مفكرًا لأنه عاش طويلًا، بل احتفظ بأسماء الذين استطاعوا أن يتركوا وراءهم أثرًا معرفيًا حقيقيًا.

فابن خلدون لم يبقَ في الذاكرة لأن عمره كان طويلًا، بل لأن عقله ترك أثرًا طويلًا.والجاحظ لم يبقَ لأن صوته كان مرتفعًا، بل لأن أسئلته كانت عميقة.

وطه حسين لم يصبح علامة في الفكر والثقافة لأنه كان مشهورًا فحسب، بل لأنه دخل إلى مناطق المعرفة التي كانت بحاجة إلى إعادة نظر، وترك وراءه مشروعًا يمكن أن يختلف الناس حوله، لكنهم لا يستطيعون تجاهله.وهنا تحديدًا يكمن الفارق.قد نختلف مع المفكر لكن لا نستطيع تجاهله أما الشخص الذي لا يترك وراءه سوى أرشيف من المقابلات والتصريحات، فقد يكون مشهورًا جدًا، لكن الشهرة ليست فكرًا.فربما يكون أفضل اختبار لأي شخص يُوصف بأنه «مفكر» هو أن نسأله سؤالًا بسيطًا:

ماذا اضاف لا نريد سيرته الذاتية.

ولا نريد عدد المناصب التي شغلها. ولا عدد السنوات التي قضاها في الحياة العامة.ولا عدد المرات التي ظهر فيها على التلفزيون.نريد الفكرة ونريد الكتاب ونريد البحث ونريد المشروع.

نريد الإضافة التي يمكن أن يناقشها المختلفون معه، وأن يبني عليها اللاحقون بعده.

فالمفكر الحقيقي لا يترك صورًا كثيرة فقط، بل يترك اسئلةوافكارا ونصوصا ومفاهيم.وقد يموت الإنسان، لكن فكرته تبدأ حياتها الحقيقية بعد موته.

وهذه هي المفارقة الكبرى بين صاحب الشهرة وصاحب الاثر ، فاشهرة تحتاج الى حضور مستمر اما الفكرة فتستطيع ان تعيش في غياب صاحبها.. فلا تجعلوا السياسة شهادة ثقافيةولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو الخلط بين السياسة والفكر.

السياسي يحتاج إلى خطاب، وإلى قدرة على الإقناع، وإلى قراءة للواقع، وإلى معرفة بالمجتمع.لكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني بالضرورة أن صاحبها مفكر.وكذلك المفكر ليس مضطرًا إلى أن يكون سياسيًا.بل ربما كانت المسافة بين الاثنين ضرورية أحيانًا كي يبقى الفكر قادرًا على مساءلة السلطة، بدل أن يتحول إلى ملحق بها.وحين يصبح السياسي مفكرًا بمجرد امتلاكه منصة إعلامية، فإننا نرتكب خطأين في وقت واحد:

المفكر الحقيقي

نرفع السياسي إلى مرتبة معرفية لمجرد أنه مشهور، ونخفض المفكر الحقيقي حين نجعله مساويًا لمن لا يملك مشروعًا فكريًا.

وهذا ظلم للفكر قبل أن يكون ظلمًا للأشخاص.والعراق لا يعاني من نقص في الألقاب.لدينا ألقاب كثيرة، وأسماء كثيرة، وواجهات كثيرة، ومنابر كثيرة.

ما نحتاج إليه هو المعيار

نحتاج إلى أن نستعيد احترام كلمة «مفكر».أن نتعامل معها باعتبارها مسؤولية لا مجاملة، وتاريخًا لا زينة، وإضافة لا رتبة اجتماعية.فلنترك الألقاب جانبًا، ولنسأل بدلًا منها:ماذا كتب وماذا بحث وماذا اكتشف وماذا فسر وما السؤال الذي اضافه وما الفكرة التي ابتكرهاوما الذي تغيير في وعينا بسببهافإذا كانت الإجابة واضحة، فإن اللقب سيأتي وحده.

وإذا لم تكن هناك إجابة، فلن تنقذ صاحبها ألف كاميرا، ولا ألف مقابلة، ولا ألف شهادة مجاملة.                                                                                                             لان التاريخ لا يحتفظ طويلا باسماء الذين يتحدثون  كثيرابل باسماءالذين جعلوا البشرية تفكر بطريقة مختلفة

وربما آن الأوان لأن نقولها بلا ماربة  ليس كل من امام الكاميرا مفكرا وليس كل من طال به العمرحكيما وليس كل من شغل منصبا مثقفا وليس كل من اكثر الكلام صاحب فكرة أما أولئك الذين يحتاجون كل يوم إلى من يذكر الناس بأنهم «مفكرون»، فربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح عليهم هو اين الفكر الذي تتحدثون عنه في نهاية المطاف لا يحتاج الىمن يعلنه لان الفكر الحقيقي هو الذي يعلن عن نفسه.


مشاهدات 39
الكاتب كامل الشرقي
أضيف 2026/10/11 - 2:49 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 12:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 121 الشهر 20557 الكلي 16605726
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير