قراءة في اجتماعات صدام المسرّبة
دكتاتورية استباحت الدولة وورثة نهبوها باسم الديمقراطية
رائد فؤاد العبودي
تكشف التسجيلات السرية لاجتماعات صدام حسين مع كبار مسؤولي الدولة وقيادة حزب البعث، والمتداولة منذ سنوات على شبكة الإنترنت، جانبا شديد الأهمية من طبيعة الحكم في العراق. فقيمتها لا تكمن في المعلومات التي تتضمنها فقط، بل في الطريقة التي يتحدث بها رجال الدولة مع رئيسهم، وفي مقدار الحذر والخوف والتملق الذي كان يحكم تلك العلاقة.
خلف الألقاب الكبيرة والمناصب الرفيعة تظهر قيادة حريصة على إظهار التطابق مع رؤية الرئيس، ومترددة أحيانا في نقل ما قد لا يرغب في سماعه. وفي أحد هذه الاجتماعات، الذي سبق الحرب التي أعقبت غزو الكويت، تبدو المشكلة أعمق من مجرد خلاف أو سوء تفاهم بين الرئيس صدام حسين ونائبه عزة الدوري، إذ يظهر الأخير مترددا وغير واثق من قدرته على نقل الواقع إلى صدام بحرية كاملة، وهي حالة كانت تنسحب بدرجات مختلفة على بقية كبار المسؤولين في الدولة والحزب، في ظل بيئة حكم جعلت إبلاغ الرئيس بالحقيقة نفسها فعلا محفوفا بالحذر والخوف.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية. فعندما يخشى الرجل الثاني أو الثالث في الدولة من نقل معلومة أو ملاحظة إلى رئيسها، يصبح السؤال أكبر بكثير، كيف كانت تصل إلى صدام تقارير الجيش والاقتصاد والمجتمع والمخابرات، وكم من الوقائع جرى تخفيفها أو صياغتها بطريقة لا تثير غضبه.
لم تعد المشكلة في وجود حاكم قوي، بل في ذوبان الدولة والحزب تدريجيا في شخصه. الحزب الذي يفترض أن يناقش أصبح أداة لتأكيد القيادة، ومجلس قيادة الثورة الذي يفترض أنه مؤسسة لصناعة القرار صار يدور في فلك الرئيس، فيما تعلم المسؤولون أن قراءة مزاج صدام قد تكون أحيانا أهم من قراءة الواقع نفسه.
وهكذا تحولت صفات شخصية في الحاكم إلى بنية سياسية. نزعة السيطرة أصبحت نظاما، والثقة المفرطة بالرأي أصبحت منهجا، والخوف من الاعتراض تحول إلى رقابة يمارسها المسؤولون على أنفسهم قبل أن يتحدثوا.
والدكتاتور لا يحتاج دائما إلى أن يأمر معاونيه بإخفاء الحقيقة. يكفي أن يعرفوا أن الحقيقة غير المرغوب فيها قد تكلفهم غضبه أو موقعهم أو ثقته، فيبدأ المسؤول باختيار ما يمكن قوله، لا ما يجب قوله.
وفي تلك الأجواء كان العراق يقف أمام واحد من أخطر القرارات في تاريخه الحديث، غزو الكويت عام 1990، وما تبعه من حرب 1991، ثم سنوات الحصار والاستنزاف والعزلة. لم تكن تلك مجرد أخطاء عسكرية أو سياسية منفصلة، بل نتائج لنظام صار فيه القرار الاستراتيجي مرتبطا بإرادة شخص واحد أكثر من ارتباطه بمؤسسات قادرة على الاعتراض والتصحيح. فالدولة التي لا تستطيع أن تقول لرئيسها إنه مخطئ، لا تستطيع أن تمنعه من ارتكاب الخطأ.
ثم جاء عام 2003، فسقط النظام، لكن سقوط الدكتاتور لم يعن ولادة الدولة. كان العراق قد خرج من عقود الحروب والحصار والاستبداد ضعيف المؤسسات، هش البنية، فاقدا جزءا كبيرا من قدرته على حماية نفسه من الطامعين.
وهنا بدأ الفصل الثاني من المأساة. فبدل أن تتحول مرحلة ما بعد صدام إلى مشروع لإعادة بناء دولة وطنية قوية، تحولت السلطة لدى من جاؤوا بعد السقوط إلى بوابة للغنيمة وتقاسم النفوذ ونهب الدولة. تمددت المحاصصة، وتقاسمت الأحزاب الوزارات والمؤسسات، وأصبحت العقود والمناصب والمشاريع أدوات للثراء السياسي والشخصي، فيما بقي المواطن ينتظر الكهرباء والماء والخدمات والعمل.
ولم يكن الفساد وحده هو المشكلة. الأخطر أن قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الجديدة لم تتعامل مع السيادة بوصفها خطا أحمر، بل ارتهنت في كثير من الأحيان إلى الخارج، وتحولت علاقات بعض القوى بإيران من علاقة جوار ومصلحة إلى ولاءات سياسية وعقائدية وأمنية أعمق، حتى صار القرار العراقي في ملفات مهمة أسير توازنات لا تصنع كلها في بغداد.
وهنا يصبح النهب أوسع من سرقة المال العام. إنه نهب لقرار الدولة، ولمؤسساتها، ولقدرتها على أن تكون دولة مستقلة فعلا. فالوطن لا ينهب فقط عندما تسرق خزائنه، بل أيضا عندما تصبح إرادته موزعة بين الأحزاب والسلاح ومراكز النفوذ الخارجي.
وفي هذا السياق يطرح سؤال مشروع عن دور المرجعيات الدينية في النجف. فقد بقيت دعواتها إلى الإصلاح ومحاربة الفساد في حدود الموقف المبدئي، من دون أن تتبلور إلى فعل حقيقي أو موقف عملي حاسم، أو إلى فتوى صريحة بتفسيق الفاسدين وتجريم التبعية والعبث بالمال العام، بما يجعل منها عنصر مواجهة يوازي حجم الفساد المستشري، وارتهان القرار، وتغول السلاح خارج سلطة الدولة.
وهكذا يبدو التاريخ العراقي الحديث كسلسلة مأساوية مترابطة. صدام أضعف الدولة باختزالها في شخصه، ومن جاؤوا بعده استغلوا ضعفها وتقاسموها ونهبوها، وبعضهم رهن جزءا من قرارها للخارج.
الدكتاتورية لم تترك دولة قوية كي يرثها العراقيون بعد سقوطها، والورثة لم يعيدوا بناء ما تحطم، بل شارك كثير منهم في استثمار الخراب.
لهذا لا تكشف تسجيلات صدام السرية مجرد شخصية حاكم مستبد، بل تكشف البداية المبكرة لموت الدولة.
لقد وأد صدام الدولة حين جعلها امتدادا لإرادته، ثم جاء الورثة ففتحوا قبرها بحثا عن الغنيمة.