الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعبة الكشف وإعادة بناء المعنى في «مذكرات طبيبة في المنفى


لعبة الكشف وإعادة بناء المعنى في «مذكرات طبيبة في المنفى

سجاد الزيدي

 

تختلف الروايات في الطريقة التي تتعامل بها مع الحقيقة. هناك روايات تمنح القارئ مفتاحها منذ الصفحات الأولى، وأخرى تجعل الحقيقة رحلة طويلة لا يكتمل معناها إلا بعد أن تتراكم التفاصيل وتعيد كل شخصية وكل حادثة موقعها داخل الصورة الكبرى. وفي هذا النوع من الكتابة، لا يصبح السؤال الأساسي: «ماذا حدث؟»، بل: «متى سنعرف ما حدث، وكيف سيغيّر ما عرفناه سابقًا؟»

من هذه المنطقة السردية يمكن الاقتراب من رواية «مذكرات طبيبة في المنفى» للكاتب سجاد الزيدي، الصادرة عن دار جيم للنشر والتوزيع، بوصفها تجربة تقوم على مبدأ مهم في السرد الروائي: تأجيل الحقيقة.

تبدأ الرواية من صورة تبدو هادئة في ظاهرها؛ طبيبة تدعى سيدرا تجلس في مقهى بباريس، وتعود إلى دفترها الأصفر محاولة جمع شظايا حكاية تبدو وكأنها تفرقت مع الزمن. غير أن هذه البداية لا تمنح القارئ إجابات بقدر ما تفتح أمامه سلسلة من الأسئلة. لماذا وصلت سيدرا إلى هنا؟ ماذا حدث قبل هذه اللحظة؟ وما الذي جعل حياة كاملة تتحول إلى صفحات تحتاج صاحبتها نفسها إلى إعادة قراءتها؟

هنا لا يعود الماضي مجرد خلفية للأحداث، وإنما يصبح مساحة مجهولة يتعين على القارئ اكتشافها تدريجيًا.

وتكمن أهمية هذا الأسلوب في أنه يضع القارئ في موقع مختلف؛ فهو لا يتلقى الحكاية بوصفه مستمعًا خارجيًا، وإنما يشارك في عملية تركيبها. كل معلومة جديدة يمكن أن تعيد تفسير معلومة سابقة، وكل تفصيل قد يبدو عابرًا في البداية يمكن أن يكتسب وزنًا مختلفًا عندما تقترب الرواية من نهايتها.

وهذه التقنية تمنح العمل بعدًا يتجاوز التشويق التقليدي. فالتشويق الحقيقي هنا لا يقوم فقط على الرغبة في معرفة «ماذا سيحدث»، وإنما على الرغبة في معرفة «ماذا حدث فعلًا».

وهذا فارق مهم في البناء الروائي؛ لأن المستقبل في بعض الأعمال هو المجهول، بينما يصبح الماضي في أعمال أخرى هو المجهول الحقيقي. وفي «مذكرات طبيبة في المنفى» يبدو أن الكاتب يختار النوع الثاني: يجعل القارئ يسير نحو حدث وقع بالفعل، لكنه لم يمتلك منذ البداية الأدوات الكافية لفهمه.

ومن الناحية الفنية، فإن هذا الأسلوب يفرض على القارئ أن يمارس نوعًا من القراءة النشطة. لا يمكنه أن يمر على التفاصيل مرورًا سريعًا، لأن الحكاية تحتفظ ببعض أسرارها، ولا يمكنه أن يصدر أحكامه النهائية على الشخصيات قبل اكتمال الصورة.

وهنا تتحول الرواية إلى اختبار لواحدة من أكثر خصائص الإنسان حضورًا في علاقته بالحكايات: رغبتنا في إصدار الأحكام قبل امتلاك الحقيقة كاملة.

فالإنسان، في حياته اليومية، يبني مواقفه على أجزاء من المعلومات، ثم يكتشف أحيانًا أن الجزء الذي لم يعرفه كان هو الجزء الأكثر أهمية. والرواية تستثمر هذه الحقيقة النفسية لتجعل فعل القراءة قريبًا من فعل الحياة نفسها؛ إذ لا أحد يعيش حياته وهو يمتلك الرواية كاملة، وإنما نحن نكتشف معنى الأحداث بعد وقوعها، وربما بعد مرور سنوات عليها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الدفتر الأصفر الذي تعود إليه سيدرا ليس بوصفه مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، وإنما بوصفه بوابة سردية تسمح للرواية بإعادة ترتيب الزمن. الماضي لا يظهر دفعة واحدة، وإنما يستعيد حضوره من خلال التذكر والاسترجاع والكشف المتدرج، حتى يصبح القارئ أمام حكاية تتشكل أمامه قطعة بعد أخرى.

وتزداد أهمية هذا البناء مع تأكيد الرواية أن الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا في الصفحات الأخيرة. فالنهاية في هذه الحالة لا تكون مجرد خاتمة للأحداث، بل لحظة إعادة قراءة لكل ما سبقها. وهذا النوع من النهايات يملك قدرة خاصة على إبقاء الرواية حيّة في ذهن القارئ بعد إغلاق الكتاب، لأنه يدفعه إلى العودة ذهنيًا إلى التفاصيل السابقة، محاولًا اكتشاف ما فاته.

إن قيمة «مذكرات طبيبة في المنفى» من هذه الزاوية لا تتوقف عند موضوعها الإنساني، وإنما تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها الحكاية. فالكاتب لا يضع الحقيقة أمام القارئ بصورة مباشرة، بل يتركه يعمل من أجل الوصول إليها، ويمنحه المعلومات بالقدر الذي يحافظ على فضوله، دون أن يفقد المسار الإنساني للقصة.

وهنا تتحول القراءة من استهلاك للحكاية إلى مشاركة في بنائها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذه التجربة أن الحقيقة في الأدب، كما في الحياة، ليست دائمًا الشيء الذي نعرفه أولًا، بل الشيء الذي نكتشف في النهاية أنه كان يغيّر معنى كل ما عرفناه من قبل.

بهذا المعنى، تقدم «مذكرات طبيبة في المنفى» تجربة سردية تقوم على السؤال قبل الإجابة، وعلى الكشف قبل الحكم، وعلى جعل القارئ جزءًا من الرحلة التي تقوده في نهايتها إلى حقيقة لم يكن يملك صورتها الكاملة في البداية.


مشاهدات 40
الكاتب سجاد الزيدي
أضيف 2026/10/11 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 12:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 20504 الكلي 16605673
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير