الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين التعقيد والفوضوية

← بواسطة azzaman

العراق بين التعقيد والفوضوية

وصال العزاوي

 

في دراسة حديثة نشرت حول مستقبل العلوم السياسية في ظل الثورة الخوارزمية ، يذكر المؤلف ان الباحث قبل الثورة الخوارزمية كان يركزعلى  الدولة ، والمؤسسة والنخبة والحزب والناخب ، كوحدات اساسية لفهم الظاهرة السياسية ، وكان الباحث يقرأ الدساتير ويتتبع سلوك المؤسسات ويحلل خطابات النخب وتوازنات القوة ، لكن الثورة الخوارزمية فرضت اسئلة اكثر عمقا  : هل تتغير السياسية فقط ام تتغير معها الادوات التي نستخدمها لفهم السياسة نفسها ؟ فاذا كان علم السياسة التقليدي يحاول تفسير السلوك بعد حدوثه ، فان الخوارزميات تفتح المجال امام الانتقال من تحليل السلوك الى التنبؤ به ومن دراسة الاتجاهات العامة الى رصدها لحظة بلحظة ، كما انتجت الخوارزميات مفاهيم جديدة مثل علم التعقد والتعقيد السياسي وطرح انظمة جديدة تناقش النظام المعقد والنظام الفوضوي .

علم التعقد او التعقيد السياسي ، يعني وجود انماط وتفاعلات كثيرة ومتشابكة للغاية  ،لكنها قد تنتج « نظاما ذا ذاتية تنظيم « رغم عدم قدرة المراقب على الامساك بكل خيوطه بسهولة ، بينما النظام الفوضوي يعني غياب التنظيم كليا او الانهيار الكامل للقواعد ، وهنا تبرز اشكالية السببية لاستكشاف معالم الطريق نحو رواية ثالثة ممكنة بين الروايتين المتعارضتين « التعقد ، الفوضى « لمحاولة بناء جسر بينهما كمحاولة لفك التفاعلات السياسية المتشابكة التي هي اساسا سببا ومنتجا للفوضوية واقامة النظام الفوضوي وذلك بهدف تشتيت وتضليل الحقيقة وصرف الانظار عن مراكز النفوذ والشخصيات المؤثرة .

نفوذ فعلية

ومن خلال اهتمامنا بالحالة العراقية كنموذج للدراسات  التي قدمناها في مقالاتنا السابقة ( السياسة العامة في العراق  ، التضليل السياسي في العراق ، صناعة الجهل ، وازمات الدولة العراقية ، حيث سبق ان تناولنا في مقالة ( السياسة : من يحصل على ماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ ) فرضيات تبحث عن اجوبة ،  وسط كومة من التناقضات والتعقد والفوضى السياسية والجمود الفكري ، يمكن ان ننطلق منها الى افكار  تحمل ابعادا تحليلية مختلفة نضعها امام الباحثين والمراقبين للبحث فيها وايجاد الطريق الثالث اي السببية في التعقد والفوضوية في العراق ، ويمكن ايجازها بما يلي :

الفكرة الاولى : اذا انطلقنا من عنوان من يحكم العراق ؟ بالتركيز على السلطة الدستورية ومراكز النفوذ الفعلية ، هنا تظهر بوضوح الفجوة الكبيرة بين السلطة التي يمنحها الدستور العراقي للمؤسسات الرسمية وبين القدرة الفعلية على التأثير في القرارات السياسية والاستراتيجية العليا .

الفكرة الثانية : اذا بحثنا في اشكالية الدولة العراقية وتعدد مراكز القرار ، هنا يتطلب دراسة تعدد الجهات المؤثرة في صنع القرار العراقي وطبيعة العلاقة بينها وهل هي منسجمة ام تنافسية ام تصارعية .

الفكرة الثالثة : من يمتلك السلطة في العراق ؟ من يتحمل المسؤولية ؟ وهنا نكتشف ان هناك اطراف متعددة هي التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار ولكنها لاتتحمل مسؤولية نتائجه .

وفي حالة تبني الفكرة او الفرضية الثالثة للاجابة عن سؤالنا المركزي : من يحكم العراق ؟ يفترض البحث في القوالب السياسية التي تشكل النظام السياسي العراقي  وهي : اولا ، السلطة الدستورية اي النظام الدستوري العراقي الذي يحدد اختصاصات السلطات والعلاقة بينها وهي : مجلس النواب ( التشريع والرقابة ) ، مجلس الوزراء ( رسم السياسات العامة وتنفيذها ) ، رئيس الجمهورية ( شخصية رمزية ) ، السلطة القضائية ( تطبيق القانون والفصل في المنازعات ) .

وهنا يبرز سؤالنا : مدى قدرة المؤسسات اعلاه على ممارسة صلاحياتها وفقا للدستور والمصلحة العامة ، وهل امتلاكها للسلطة تكفي لفهم كيفية ادارة الدولة فعليا ام شكليا وهل هي ملتزمة بقواعد العمل المؤسسي ؟ .

ثانيا : النظام الحزبي في العراق : من المعروف في الانظمة البرلمانية تؤثر نتائج الانتخابات والتحالفات البرلمانية والمفاوضات السياسية في تشكيل الحكومة وتحديد اولوياتها .

تبنى العراق نظام التعددية السياسية ، حيث اكد عليها الدستور العراقي ( ينظر المواد : 5 / 6 / 7 – اولا اكد على مبدأ التعددية السياسية / 36 كفالة الدولة لحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي ، ولاشك ان جميع تلك الحريات لها علاقة وثيقة بتطبيقات التعددية الحزبية / 37 جاءت لتنظيم كفالة حرية تأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية .

ونظم شروط تأسيس الاحزاب قانون الاحزاب السياسية رقم 39 لسنة 2015  ويشترط القانون تأسيس الحزب على اساس المواطنة وحظر اي حزب يقوم على العنصرية ، التكفير ، التعصب الطائفي كما تمنع المادة 32 الاحزاب من امتلاك اجنحة عسكرية او استخدام العنف .

ولكن عند بحث طبيعة النظام الحزبي في العراق نجده يناقض كل الاشتراطات المؤسسية اعلاه : فهناك تخندق مكوناتي وطائفي مما جعل النظام الحزبي مرآة ل « المحاصصة الطائفية والقومية « في توزيع المناصب السيادية والوزارية ، اضف لذلك اعتماد نظام الائتلافات التوافقية ، حيث تعتمد ادارة الدولة على بناء تحالفات سياسية واسعة مثل ( الاطار التنسيقي ، او التحالفات الكردستانية ، والكتل السنية ) للتوافق على الرئاسات الثلاث ( الجمهورية ، الوزراء ، النواب ) .. وابرز تحديات النظام الحزبي في العراق هو تداخل العمل الحزبي بالسلاح ، رغم الحظر القانوني الا ان العراق فشل في فصل بعض الاحزاب النافذة عن الفصائل او الاجنحة المسلحة التابعة لها .

ثالثا : مراكز النفوذ في العراق وهنا تتضافر عدة عوامل ابرزها : النفوذ السياسي( القوى والاحزاب والتحالفات ) / النفوذ الاقتصادي ( الموازنة العامة ، المكاتب الاقتصادية للاحزاب ، العقود الحكومية التي تعمل على تشكيل المصالح والتوازنات )/ النفوذ الامني ( طبيعة العلاقة بين المؤسسات الامنية الرسمية والجهات المسلحة ومدى خضوع استخدام القوة لسلطة الدولة والقانون ) /النفوذ  الاجتماعي : ( تأثير القيادات المحلية والعشائرية والدينية في بعض القرارات والمواقف العامة )  /النفوذ الاعلامي والمعلوماتي والرأي العام والتأثير في شرعية القرارات الحكومية او في الثقة بها ).

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل ان هذه المراكز تعمل ضمن مؤسسات الدولة وقواعدها ؟ هل تتحكم في القرار العراقي ؟ وماطبيعة تأثرها بالعامل الخارجي ؟

رابعا : العامل الخارجي : حقيقة ان موقع العراق الجغرافي والاقتصادي والامني يجعله متفاعلا مع بيئة اقليمية ودولية معقدة ، ولكن من المهم التمييز بين ثلاث مستويات : التأثير الخارجي / الضغط الخارجي / التبعية في القرار .

واذن فان السؤال الادق ليس اي دولة تحكم العراق ؟ بل كيف تتفاعل المصالح والضغوط الاقليمية والدولية مع المؤسسات والقوى السياسية العراقية في صناعة القرار العراقي ؟ حيث تتباين وتتفاوت انماط التفاعلات العراقية مع البيئة الخارجية وعدم وجود رؤية واضحة تحدد طبيعة السياسة الخارجية مع الفواعل الاقليمية العربية وغير العربية والدولية ، ومما لاشك فيه ان السياسة الخارجية لاي بلد هي امتداد لسياسته الداخلية ، وفي العراق اضحى الاضطراب والتأزم الداخلي المزمن انعكاس لسياسته الخارجية التي يمكن وصفها بالكرسي الدوار بدون بوصلة محددة .

فعلى سبيل المثال وليس الحصر العلاقة مع  ( ايران والولايات المتحدة الامريكية ) بالنسبة الى ايران تتمثل ادوات التأثير الايراني في العلاقات مع قوى سياسية عراقية والروابط الامنية والاقتصادية والتفاعل مع الفصائل والقوى التي تتبنى مواقف متقاربة مع ايران في بعض الملفات ... اما الولايات المتحدة الامريكية تتمثل ادوات تأثيرها في العلاقات الامنية والاقتصادية والمالية والدبلوماسية والضغوط المرتبطة بنفوذ الفصائل المسلحة وعلاقات العراق الاقليمية .

والسؤال هنا : هل تحكم ايران العراق ام امريكا ؟ وماهي الملفات التي تستطيع هاتين الدولتين التأثير فيها ؟ وماهي الادوات التي تستخدمها واين تنتهي قدرتها ؟ ويبدأ القرار العراقي المستقل .

ان مايهمنا في هذا المجال هو العراق ، لا نريد ان يكون العراق في مهب الصراع الدولي والاقليمي وتحديدا الصراع الايراني الامريكي  ،وان يصبح النفوذ الداخلي خطرا استراتيجيا ، وانما دولة تقرر مصيرها وترفض ان تكون ساحة لتصفية الحسابات ، وتحقق اندماج كل القوى السياسية العراقية في خريطة واحدة لحكم العراق .ان التحدي الذي يواجه العراق لا يتمثل في علاقته بأيران او امريكا بل في مدى قدرة الدولة العراقية على ضمان ان تدار علاقاتها الخارجية وقراراتها الامنية وفق المصالح الوطنية والمؤسسات الدستورية .

 

 

خامسا : الاقتصاد العراقي والمال العام : مازال العراق يعتمد على الايرادات النفطية بدرجة كبيرة لكنه عاجز عن مواجهة الالتزامات المالية وايجاد بدائل موارد اخرى غير النفط ، مما أثر على قدرة الحكومات العراقية المتعاقبة على اطلاق برامج تنموية ، وتحويل برامجها السياسية الى سياسات اقتصادية قابلة للتنفيذ ، فالحكم لا يقاس فقط بمن يشغل المناصب وانما بقدرة المؤسسات على ادارة الموارد وتقديم الخدمات وتحقيق الاهداف المعلنة ، ولا يمكن تجاهل تغلغل الفساد بكافة اشكاله في مؤسسات الدولة .

سادسا : من يمتلك مفاتيح القرار في العراق ؟ مما لاشك فيه يصعب تحليل المشهد السياسي العراقي الراهن من دون التوقف  عند القوى الفاعلة ابرزها الاطار التنسيقي الذي يضم قوى شيعية متعددة ويؤدي دورا محوريا في اختيار رئيس الوزراء وتوزيع المناصب الحكومية ، وحقيقة لايمثل الاطار التنسيقي موقفا موحدا في كل القضايا ، فالاطار نفسه يضم مصالح واتجاهات مختلفة وقد شهد تنافسا داخليا حول اختيار رئيس الوزراء وتوزيع النفوذ ، والسؤال هنا هل يمثل الاطار التنسيقي مجرد تحالف برلماني لتشكيل الحكومة ام انه يؤدي ايضا دورا في تحديد حدود الحركة السياسية لرئيس الوزراء ؟

والجواب ان رئيس الوزراء قد يمتلك السلطة التنفيذية رسميا  ، بينما تتحدد مساحة حركته السياسية من خلال علاقته بالقوى التي اسهمت في وصوله الى المنصب ، لكن من المهم الا نستنج من ذلك انه بلا سلطة ، فرئيس مجلس الوزراء يمتلك صلاحيات دستورية وتنفيذية وتختلف قدرته على استخدامها بحسب طبيعة الملف ، ومواقف القوى السياسية ، والتوازنات البرلمانية والامنية ، موقف يحتاج الى الشجاعة والجرأة في اتخاذ قرارات حكومية من دون موافقة مسبقة من القوى التي دعمته ، وفرض اولويات حكومته في ملفات الموازنة والتعيينات والاصلاح الاداري والاهم استمرار ملف مكافحة الفساد الذي توقف لاسباب تتعلق بمراكز النفوذ ، وبهذا تجعل شخصية رئيس الوزراء العراقي جزءا من تحليل بنية السلطة ، لا مجرد اسم يتصدر الحكومة .

 وحقيقة اضحى الاطار التنسيقي ومع اختلاف توجهاته وخططه بين التمدد خارج الحدود وبين استنساخ تجربة الجمهورية الاسلامية الايرانية في العراق وبين الاحتفاظ بالسلطة ، السلطة بمكتسباتها المادية واحتكار النفوذ بأعتبارها «حقهم الشرعي « غير مدركين ان العراق لايقبل الاستنساخ والتطبيع والتبعية والتاريخ يشهد بذلك .

المؤثر الثاني هي القوى السياسية المرتبطة بالفصائل المسلحة : نفوذ يتجاوز المقاعد البرلمانية ، وهذه من اكثر الملفات حساسية واهمية في الاجابة عن سؤال « من يحكم العراق « ؟ لكن من الضروري التمييز بين هيئة الحشد الشعبي بوصفها «مؤسسة رسمية» كما تم تمريرها بقانون في مجلس النواب لتكون واجهة وحامية للحكم الشيعي وخاصة حكم الاطار التنسيقي ، بأستثناء التيار الصدري الذي تم ابعاده عن الساحة السياسية لاسباب عدة لامجال لذكرها في هذه المقالة ،  وبين الفصائل والتشكيلات التي تختلف في علاقاتها السياسية والامنية ودرجة انضباطها ضمن سلسلة القيادة الحكومية .والسؤال الجوهري : هل تمتلك الحكومة الاتحادية القدرة الفعلية على الزام جميع القوى المسلحة بقراراتها ام ان قدرتها تختلف بأختلاف الفصيل والملف والظرف السياسي ؟

القوى السياسية الاخرى في النظام السياسي العراقي هي ( القوى او المكون السني / القوى الكردستانية الكردية ) .. فالنظام السياسي العراقي يقوم ايضا على تفاهمات مع القوى السنية والكردية وتؤثر هذه التفاهمات في انتخاب الرئاسات وتشكيل الحكومة واقرار الموازنة ، بالنسبة الى «المكون السني» نلاحظ ان حجم النفوذ الفعلي لكل شخصية يتغير بحسب نتائج الانتخابات والتحالفات وقدرتها على التفاوض وهنا لاينبغي ان نفترض ان جميع القوى السياسية السنية تتبنى موقفا واحدا ، ولكن اهم ملفاتها التي تطالب بها : هي انصاف المحافظات والمناطق المحررة ، واعادة الاعمار وعدالة توزيع الادوار والمناصب العسكرية والامنية ، ومشاركة فعلية في القرارات الاستراتيجية ، وكذلك الحال بالنسبة للقوى الكردية رغم وجود خلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين حيث توجد بينهما منافسة سياسية وخلافات بشأن توزيع السلطة داخل الاقليم والعلاقة مع بغداد ، الا ان اهم ملفاتهم : هي المناصب السيادية وملفات النفط والموازنة وصلاحيات اقليم كردستان .

واذا اردنا ان يكون القرار عراقيا يجب توافرخمسة شروط اساسية وهي : استقلال الارادة السياسية / احتكار الدولة قرار الحرب والسلم / خضوع جميع القوى السياسية للقانون / استقلال السياسة الخارجية / القدرة على تنفيذ القرار .

وعليه فان الجواب على السؤال الجوهري من يحكم العراق ؟ يتطلب كشف طبيعة العلاقة بين السلطة الدستورية والنفوذ السياسي والقوة المسلحة والتأثير الخارجي ، فالمعيار الحاسم ليس من يمتلك النفوذ فحسب وانما من يمتلك القرار النهائي ومن يستطيع فرض تنفيذه ولمن تكون الاولوية عند تعارض المصالح العراقية مع مصالح القوى الاخرى ، المطلوب ان تكون علاقاته وتحالفاته خيارات عراقية لا قيودا على ارادته الوطنية  .

 

أستاذة النظم السياسية والسياسات العامة

 


مشاهدات 81
الكاتب وصال العزاوي
أضيف 2026/10/24 - 2:19 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 3:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 328 الشهر 46697 الكلي 16631866
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير