الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح التصوف رسالةً للإنسان


حين يصبح التصوف رسالةً للإنسان

نوري جاسم 

 

حين نقرأ سيرة الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني، قدّس الله سرّه، فإننا لا نقرأ سيرة رجلٍ عاش في بغداد قبل قرون فحسب، وإنما نقف أمام تجربة روحية وفكرية استطاعت أن تجعل من تزكية الإنسان مشروعًا لإصلاح الحياة.

فقد ارتبط اسم الجيلاني بالعلم والعبادة والتربية والسلوك، وأصبح حضوره في الذاكرة الإسلامية مرتبطًا بفكرة جوهرية: أن إصلاح الإنسان يبدأ من داخله. فالقلب الذي يتطهر من الكبر والحسد والبغضاء، ويُربّى على الصدق والتواضع والرحمة، يستطيع أن يكون مصدرًا للإصلاح في محيطه.

وهنا تكمن أهمية المدرسة القادرية؛ فهي لم تجعل التصوف انفصالًا عن المجتمع، بل جعلت منه طريقًا لتقويم السلوك وبناء الإنسان. فالمعرفة التي لا تُثمر أخلاقًا، والعبادة التي لا تُنتج رحمة، والسلوك الذي لا ينعكس خيرًا على الناس، تفقد شيئًا من غايتها الإنسانية. لقد عاش الإمام عبد القادر الجيلاني قدست أسراره في بيئةٍ علمية وروحية غنية، واستطاع أن يجمع في شخصيته بين العالم والمربي والواعظ، وأن يجعل من الكلمة وسيلةً لإيقاظ الضمير، لا مجرد خطابٍ عابر. ولذلك بقيت مجالسه ومواعظه حاضرة في الذاكرة الصوفية، وانتقلت مدرسته عبر الأجيال والأمصار.

إن سر استمرار الجيلاني في القلوب لا يكمن في مرور الزمن، وإنما في قدرة القيم التي ارتبطت به على تجاوز الزمن؛ فالتواضع لا يَهرم، والصدق لا يفقد قيمته، ومحبة الناس لا تصبح قديمة، وتزكية النفس تظل حاجةً إنسانية في كل عصر.

ومن هذه الرؤية يمكن فهم الامتداد الروحي للمدرسة القادرية في مسارات صوفية متعددة، ومنها الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، التي ترى في الميراث القادري امتدادًا روحيًا حيًا، وفي التربية والسلوك وسيلةً لإحياء معاني المحبة والسلام والتسامح، وربط الإنسان بخالقه وبالإنسان من حوله. ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولد الإمام عبد القادر الجيلاني قدست أسراره هو ألا نحصر المناسبة في مظاهر الاحتفال، بل أن نجعلها فرصةً لمراجعة الذات: ماذا بقي فينا من الصدق؟ ماذا بقي من الرحمة؟ هل استطعنا أن نكون أكثر تواضعًا ومحبةً وسلامًا؟

فالإمام الذي بقي اسمه حيًا في القلوب لم يترك للناس مجرد تاريخٍ يُروى، وإنما ترك أثرًا روحيًا تتناقله الأجيال. وكل جيل يستطيع أن يقرأ هذا الأثر بما يناسب زمانه، دون أن يفقد جوهره: إنسانٌ صالح، وقلبٌ سليم، وسلوكٌ مستقيم، ومحبةٌ تتجاوز حدود الاختلاف.

وفي زمنٍ يحتاج فيه العالم إلى لغةٍ تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم، وتداوي ولا تزيد الجراح، تبدو الرسالة الأخلاقية للتصوف جديرةً بالتأمل؛ لا بوصفها هروبًا من الواقع، وإنما بوصفها محاولةً لإصلاح الإنسان الذي يصنع الواقع. وهكذا يبقى سيدي عبد القادر الجيلاني نور الله ضريحه حاضرًا؛ لا لأن الزمن توقف عنده، بل لأن بعض القيم التي حملها لا ينبغي للزمن أن يتجاوزها.

فكلما احتاج الإنسان إلى تزكية قلبه، وإلى استعادة معنى المحبة والسلام، عاد إلى تلك المدارس الروحية التي جعلت من إصلاح النفس طريقًا إلى إصلاح الحياة.

وفي ذكرى مولده، يبقى الإمام عبد القادر الجيلاني، قدّس الله سرّه، حاضرًا في الوجدان، حاضرًا في الذكر، وحاضرًا في مدرسةٍ روحية امتد نورها عبر القرون، لتظل بغداد التي احتضنت تجربته شاهدةً على واحدٍ من أبرز الأسماء التي صنعت حضور التصوف في الذاكرة الإسلامية. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  ..

 


مشاهدات 121
الكاتب نوري جاسم 
أضيف 2026/09/27 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 132 الشهر 47414 الكلي 16579934
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير