صفحات سود من السجل الفرنسي
أحمد عبد المجيد
لم أكن متفائلاً بزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي الى فرنسا، فسجلها البعيد والقريب مثقل بالصفحات السود، ويوم زرتها مع جمهرة من زملائي الصحفيين عام 2007، تعرضت الى سرقة في وضح النهار، نتيجة تعليمات اصدرتها الحكومة بشأن زوارها من الاجانب الذين يقتنون هدايا لعوائلهم عشية مغادرتهم باريس. وفي ذمة الحكومة الفرنسية لي، حتى الآن، مبلغ 200 دولار اودعته في احد المولات، على امل ان استرجعه من سلطات مطار باريس التي اوقعتني في متاهة وكنت امام خيارين لا ثالث لهما، اما ان أهدر وقتي بالمراجعات لدى منافذ المطار دون جدوى، أو اترك المبلغ (العزيز) واستقل الطائرة التي كانت على وشك الاقلاع، وكنت قد كتبت مقالاً في هذا الشأن في حينها وتوهمت ان السلطات (الحضارية) الفرنسية ستدرس الحالة وتعيد لي ما ترتب بذمتها، لكنها (غلست). وربما من هذا المنطلق، أراها (ستغلس) عن حقوقنا الوطنية ومطالبنا التجارية التي ابرمها العراق مع شركاتها. وهي حقوق تتعلق بالنفط والغاز والديون الناجمة عن حقبة الحصار الظالم الذي تعرض له الشعب العراقي، طيلة عقد التسعينات وبينها تعويضات لم تدفع لعوائل اطفال حقنوا بامصال دم ملوث بالآيدز، خدعت به وزارة الصحة آنذاك بذريعة الشحنات الطبية الخاضعة لاتفاقية (النفط مقابل الدواء والغذاء)، الكذبة الكبرى التي سمحت بتهريب اموال العراق الى فرنسا وغيرها من دول العالم.
ولاننا مخدوعون عبر ولايات الرؤساء الفرنسيين، بدءاً بجاك شيراك الذي خدعنا بمفاعل تموز النووي وانتهاء بمانويل ماكرون الذي انقذ الشركات الفرنسية المفلسة بأموالنا. فقد تصورنا ان استقبال هذا الأخير للزيدي، اسفل مدرجات الاليزيه هو تكريم لاجل عيون الضيف العراقي. وفسره بعض (المحللين) الفطاحل بأنه تبجيل أو دليل اهتمام شخصي واحترام لمنزلة العراق الجديد، في وقت لا يتعذر على لبيب تفسيره بأنه خدعة أخرى للهيمنة الاقتصادية وسرقة ثروات العراق. ولكي لا اتهم بالعداء، استعيد قراء صفحة سوداء اخرى تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي عن بلد الثقافة وحقوق الانسان، علها تعيدنا الى جادة الصواب وتجعلنا نفهم طبائع الاستبداد. (في سنة 1845، اضطرّ أهل قبيلة (أولاد رياح) من أهل الجزائر إلى اللجوء إلى الجبال،هربًا،من بطش ووحشية جنود الاحتلال الفرنسي بلغ عددهم حوالي 1800 شخص، بينهم نساء وأطفال وشيوخ رفقة حيواناتهم، فاستجاروا بإحدى المغارات، تعرف بـ (غار الفراشيح) وما إن علم الجنود الفرنسيون ، بقيادة الضابط بيليسييه الذي يُلقبه الجزائريون بـ ( إبليس ) حتى قاموا بمحاصرة المغارة، وسدوا جميع مداخلها ومخارجها فقال له الحاكم العام الفرنسي: ) أحرقوهم حتى يموتوا كالثعالب فأمر بيليسييه جنوده،بجمع أكوام من الحطب والقش والكبريت ، وأضرمت النيران في مداخل المغارة، لأكثر من 20 ساعة لم تَهزّهم، صرخات النساء والأطفال والعجزة ، وفي الصباح وُجدت نحو 1800 جثة متفحمة. وقد علّق صحفي إسباني على المشهد قائلًا: ) ما أثار أشد الرعب في هذه المحرقة، هو رؤية الأطفال على صدور أمهاتهم في وضعية الرضاعة ، وسط أشلاء الأغنام وأكياس الحبوب) وبعد أن تناولت ،الصحف العالمية خبر المجزرة ، وُجّهت انتقادات واسعة للجنرال السفاح بيليسييه فاستدعي للتحقيق في باريس ، لكنه أجاب بكل برود) إن جلد طبل واحد للجيش الفرنسي ، أغلى عندي من حياة جميع هؤلاء البؤساء) وبدلًا من معاقبته، كافأته باريس برفع رتبته إلى جنرال وأكدت القيادة أنه لم يفعل سوى تنفيذ الأوامر، وفور عودته إلى الجزائر، قاد الهجوم الدموي على واحة الأغواط في الجنوب، حيث قُتل ما بين 2500 إلى 3000 شخص، أي ثلثا سكان المدينة في مجزرة شنيعة، طالت الجميع دون استثناء ، من رجال ونساء وأطفال وقد أصبح هذا السفاح ،من أكثر ضباط الجيش الفرنسي تكريمًا ، حيث أنهى حياته بعد أن نال رتبة ( مارشال ) وهي أعلى رتبة في الجيش الفرنسي ، وتوج بأوسمة وألقاب عديدة ، وكان أول مارشال في عهد الإمبراطورية الثانية، يُمنح لقب دوق وما زال يُعدّ بطلا قوميًا في فرنسا إلى يومنا هذا، ولا تزال هذه الدولة ، ومعها أخواتها في الإجرام تُلقي علينا محاضرات في حقوق الإنسان)، والشفافية وتخدعنا لتسرق ما في الجيوب.