حوراء الهميلي: سادنةُ النخلِ والكيمياء في محرابِ القصيدة الفلسفية
إبراهيم المحجوب
من الموصل الحدباء، من العراق، أرض الحضارات والشعر واللغة، إلى مدينة الأحساء في المملكة العربية السعودية، تلك الواحة التي احتضنت النخيل والماء والتاريخ، أبعث تحية تقدير وإعجاب إلى شاعرة سعودية مميزة استطاعت أن تجعل من القصيدة فضاءً للتأمل، ومن الكلمة جسراً يصل الإنسان بذاته وبأسئلته الكبرى... إنها الشاعرة حوراء الهميلي.
في المشهد الشعري المعاصر في المملكة العربية السعودية والخليج العربي، يبرز اسم حوراء الهميلي بوصفه صوتاً شعرياً له خصوصيته، يجمع بين قوة اللغة وعمق الفكرة، وبين أصالة القصيدة العربية وروح التأمل الفلسفي. وهي ابنة الأحساء، تلك الواحة التي تبدو وكأنها وُلدت من رحم النخلة والماء، فكان من الطبيعي أن تحمل في وجدانها شيئاً من أسرار المكان؛ نخلةً شامخة، وجذوراً ضاربة في الأرض، وروحاً تتطلع دائماً إلى السماء.
ولعل ما يزيد تجربتها تميزاً أنها لم تأت إلى الشعر من بوابة الأدب وحده، بل جاءت إليه وهي تحمل معها ثقافة علمية، فقد حصلت على بكالوريوس الكيمياء من جامعة الملك فيصل، وعملت في مجال التعليم، الأمر الذي منح تجربتها الشعرية لوناً خاصاً؛ فكما تتعامل الكيمياء مع العناصر والتفاعلات والتحولات، تتعامل حوراء مع الكلمات والصور والمجازات، فتجمع بين عناصرها لتصنع منها مركباً شعرياً جديداً.
إنها شاعرة لا تكتفي بأن تقول ما تشعر به، وإنما تحاول أن تجعل القارئ شريكاً في السؤال والبحث والتأمل. ولهذا نجد قصيدتها تتجاوز التعبير المباشر إلى فضاءات أرحب، تتقاطع فيها الذات مع الوجود، والحزن مع الأمل، والجسد مع الروح، والواقع مع الحلم، والموت مع الرغبة في الحياة.
ومن النصوص التي تكشف عن هذه الخصوصية قصيدتها «مُوارَبٌ بابُ روحي»، التي تبدو منذ عنوانها وكأنها دعوة إلى الدخول في عالم داخلي شديد العمق، عالم لا تفتح أبوابه دفعة واحدة، بل تتركها مواربة كي يتسلل منها الضوء، وتخرج منها الأسئلة والذكريات والهواجس.
ومن أجمل ما يضيء هذا المعنى في القصيدة قولها:
«مُوارَبٌ بابُ روحي بعد ما انفرجا
كم طرقةً يشتهيها الموتُ كي أَلِجا؟!
كي أجتلي ما وراءَ الغيبِ فتنتُه
تمد للحلمِ ضوءًا يفهمُ اللُّججا
وكلما ضجَّ فيَّ الطينُ أخلعُه
جسمًا تخفَّفَ مني حالما عرجا
شرَّعتُ صدريَ علَّ الموتَ يدخلني
لمستُ قلبيَ إذْ نورٌ به انبلجا
هناك وانبثقتْ في الروحِ نرجسةٌ
فرشتُ أقفاصَ أضلاعي لها مُرُجا»
في هذه الأبيات وحدها يمكن للقارئ أن يلمس جانباً من عالم حوراء الشعري؛ فهي لا تجعل الحزن نهاية، ولا تجعل الموت خاتمة، وإنما تبحث دائماً عن نافذة للضوء. وحتى حين تقترب من أكثر المناطق عتمة في النفس، تترك في نهايتها نرجسةً تنبت في الروح، وكأنها تؤمن بأن الشعر الحقيقي يستطيع أن يستخرج من الألم معنى، ومن الانكسار قوة، ومن العتمة بصيصاً يقود إلى الحياة.
وحين نقرأ تجربة حوراء الهميلي، نجد أننا أمام شاعرة استطاعت أن توازن بين البناء العمودي الأصيل والرؤية الحديثة، فلا تتخلى عن موسيقى الشعر العربي وجزالة لغته، وفي الوقت نفسه لا تغلق قصيدتها أمام الأسئلة الجديدة التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنها تكتب القصيدة وهي تحمل ذاكرة العربية في وجدانها، لكنها تنظر بعين إنسان هذا العصر إلى قلقه وأسئلته وأحلامه.
وقد استطاعت تجربتها الشعرية أن تحجز لنفسها مكاناً لافتاً في المحافل الأدبية، من خلال إصداراتها الشعرية، ومنها ديوان «ظمأ أزرق» وديوان «تحدو فتربك ريح نجد»، كما حصدت حضوراً وتقديراً في عدد من المسابقات والجوائز الأدبية، وكان من أبرز محطاتها وصولها إلى المركز الثالث في مسابقة «أمير الشعراء» في موسمها التاسع عام 2021، فضلاً عن حصولها على جوائز وتكريمات أدبية خليجية وعربية، الأمر الذي يؤكد أن تجربتها لم تعد صوتاً محلياً، وإنما أصبحت جزءاً من المشهد الشعري العربي المعاصر.
وما يلفتني، ككاتب عراقي يتابع المشهد الثقافي العربي، أن حوراء الهميلي استطاعت أن تحمل خصوصية بيئتها إلى فضاء القصيدة من دون أن تجعلها سجناً للنص. فالنخلة الأحسائية في شعرها ليست مجرد شجرة، والواحة ليست مجرد مكان، وإنما تتحولان إلى رموز للثبات والعطاء والامتداد. وهذا أمر يجعلنا نحن أبناء العراق، ونحن نرى نخيلنا على ضفاف دجلة والفرات، نشعر بأن بين الأحساء والموصل، وبين نخيل الجنوب العراقي ونخيل الجزيرة العربية، لغةً وجدانية لا تحتاج إلى ترجمان.
ومن الموصل الحدباء، التي عرفت الشعراء والعلماء والأدباء، أجدني أمام تجربة شعرية سعودية تستحق التوقف والقراءة، لأن الشعر في نهاية المطاف لا يعرف الحدود الجغرافية، ولا يقف عند خرائط الدول؛ إنه لغة الروح، وحين تكون الكلمة صادقة فإنها تسافر من قلب شاعر إلى قلب قارئ، مهما ابتعدت المدن.
إن حوراء الهميلي ليست مجرد شاعرة تجيد نظم القصيدة، بل صاحبة تجربة تحاول أن تجعل من الشعر مساحة للتفكير في الإنسان والحياة والموت والذاكرة والحلم. ولعل اجتماع الكيمياء بالشعر في تجربتها ليس مصادفة؛ فالكيمياء تبحث عن التحولات، والشعر أيضاً رحلة دائمة من تحول الشعور إلى كلمة، والكلمة إلى صورة، والصورة إلى معنى، والمعنى إلى أثر يبقى في الذاكرة.
وفي زمن كثرت فيه الكتابات السريعة، تبقى القصيدة التي تحتاج إلى التأمل أكثر قدرة على البقاء. وحوراء الهميلي من الأصوات التي تستحق أن تُقرأ بهدوء، لأن قصيدتها لا تمنح أسرارها من القراءة الأولى، بل تدعو القارئ إلى العودة إليها مرة بعد أخرى، وفي كل عودة قد يكتشف معنى جديداً.
ومن هنا، أقول لها من العراق، من الموصل الحدباء، إلى الأحساء في المملكة العربية السعودية: إن بيننا وبينكم نخلةً واحدة تمتد جذورها في تربة عربية واحدة، وإن اختلفت المدن وتباعدت المسافات. وأقول لكِ أيتها الشاعرة: واصلي طريقك في محراب القصيدة، فالشعر الجميل لا يحتاج إلى ضجيج كي يصل، بل تكفيه كلمة صادقة، وصورة نابضة، وروح تعرف كيف تحول الوجع إلى جمال.
تحية من كاتب عراقي إلى شاعرة سعودية، ومن دجلة إلى واحة الأحساء، ومن الموصل إلى أرض النخيل؛ تحية تليق بشاعرة جعلت من العلم معرفة، ومن المعرفة تأملاً، ومن التأمل قصيدة، ومن القصيدة جسراً بين الإنسان وذاته...