مشاهدات من العراق الحلقة (6)
قصر السدير صرح تأريخي وآثاري بناه ملوك المناذرة اللخميين في الحيرة
رعد أبو كلل الطائي
قصر السدير الذي أقترن أسمهُ بالخورنق، هو السدير، ويُنسب بناؤهُ إلى آل منذر اللخميون، وإلى الملك النعمان الأول الملقب بالأعور في وسط البرية بين الحيرة والنجف، بالقرب من قصر الخورنق، وقال الأصمعي : السدير فارسية،كان أصلهُ (سادل)، أي قُبة في ثلاث قِباب مُتداخلة، وهي التي تُسميها الناس اليوم (سدلي)، فأعربتهُ العرب فقالوا سدير، والسدير : النهر، وقد غلِبَ على بعض الأنهار، وقيل ان (السدير نهر بالحيرة)، وقيلَ أيضاً (السدير سدير النخل)، والمشهور إن (السدير قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان)، وقد حددَ موقع هذا القصر مواجهاً لقصر الخورنق من جهة البادية، فالخورنق يقع على ضفاف بحر النجف، والسدير يُقابلهُ عبر البحر، أما المستشرق النمساوي (الواموسيل) فيُحدد موقع (قصر السدير على نحو عشرة كيلومترات جنوبي شرق النجف)، ويطلُق أبن الفقيه اسم السدير (على جميع المنطقة الممتدة بين نهر الحيرة والنجف)، فيما، يقول ياقوت الحموي السدير ( في وسط البرية التي بين الخورنق والشام)، وهو مـقابل الفرات يدور عليه على عاقول كالخندق) .
وهناك من يقول إن الخورنق (عمارة بديعة فيها قصران مُتناهيان في البداعة يُسمى أحدهُما خورنقا وكان محل الأكل والشُرب، والآخر سديراً وكان محل للعبادة)، وهذا الرأي لا يُمكن قبولُه لكثرة الشواهد الشعرية المعاصرة لمرحلة وجود القصر والتي أشارت اليه كقصر مستقل، كما هو حال بقية قصور الحيرة، وكذلك نستدل على ذلك من خلال مشهد دخول الفاتح خالد بن الوليد إلى مدينة الحيرة، إذ لم يُحاصر قصر السدير، ولم يُحاصر قصر الخورنق، فقد دخلَ إلى الحيرة قادماً من أتجاه الجرعة، جنوب معمل سمنت الكوفة حالياً، حتى نزلَ بين الخورنق والنجف، مروراً بإعدادية المناذرة الصناعية، نزولاً إلى مدينة الحيرة، أو ناحية الحيرة حالياً .
كُثرة سوادهِ
كما قيل سُميَ السدير لكثرة سواده وشجره، ويُقال إني لأرى سدير النمل، أي يواجه وكثرته، وقال الكلبي : سُميَ السدير لأن العرب إذ أقبلوا ونظروا إلى سواد النخل، سدرت في أعينهُم بسواد النخل، فقالوا ما هذا إلا سدير، وقال البكري في معجمه : (السدير بفتح أولهِ وكسر ثانيهِ سديرُ العراق معروف، سُميَ بذلك لِأن العرب لما نظرَت إلى سواد نخله سدرت أعيُنهم فقالوا ما هذا إلا سديرٌ) .
قصر الصنين
قصر الصنين صنو السدير والخورنق، الواقعة آثارهُ في الحيرة، فالصنين في اللغة مشتق من صنن، المصن الشامخُ بأنفهِ تكبراً أو غضباً، والصنَ بالفتح : زبيل كبير مثل السلة المطبقة، يجعل فيها الطعام والخبز، وهو الأقرب إلى التسمية، لكون المنطقة تعج ببساتين النخيل، وما يُصنع منها في تلك الحُقبة، وإن العراقيين أهل النخل يصنعون أدواتِهم ويقولون إنها مصنوعة من صن النخيل، وتُستعمل عند أصحاب الحرفة حتى يومنا هذا
ولم يُعينّ موضع القصر، ويظهر إنه لم يكن بعيداً عن الحيرة، ولعلهُ كان حُصناً حصيناً مُنعزلاً عن الناس، به حرسٌ كثيرون يحرسونهُ، لذا أتخذَ سجناً ومحبساً، وجاءت شهرة هذا القصر بعدَ أن أختلفَ النعمان بن المنذر مع الشاعر عدي بن زيد العبادي، إذ سجنهُ وقتلهُ في هذا القصر، وموضعهُ في المنطقة المسماة بحر النجف إلى الجنوب من مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وإلى الشمال الغربي من منطقة الحيرة التأريخية، ويشقُ المكان طريق رئيسي مُعبد، تُشاهد على جوانبهِ بساتين النخيل، كأنها سياج أخضر رائع يُحيط بالمكان من جهاتهِ الأربع، وتُشاهد أيضاً مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وفجاة بالمياه، وبراعم الأُرز متفتحة فوقُها، فهذه المنطقة مشهورة بزراعة رُز العنبر، ومن بينِها تُشاهد أطلال هذا الصُرح المعروفة بأسم القلعة أيضاً، وبعدهُ بعدة كيلومترات، يقع قصرا السدير والخورنق، إذاً قصر الصنين يقع على حافة بحر النجف، وهو أحد المعالم التأريخية التي بناها ملوك دولة المناذرة في الحيرة، وهو صنو للقصرين الشهيرين، السدير والخورنق، إذ كانا من منازل النعمان بن المُنذر .
وقد ذكرهُ ياقوت الحموي في مُعجمهِ إذ قال : الصنين بلد في ظاهر الكوفة، كان من منازل المُنذر، وبه نهر ومزارع، باعهُ عثمان بن عفان رضي الله عنه، من طلحة بن عبد الله، وكتب به كتاباً مشهوراً مذكوراً عند المحدثين، ويذكُر الخوارزمي في كتابه مفاتيح العلوم: ان من ملوك معداً في الجاهلية آل نصرة، وهم اللخميون من اليمن، كانوا ينزلون العراق، ومنهم امرؤ القيس بن النعمان، وهو صاحب (سِنمار) الذي قتلهُ حين بنى له الحُصن الذي يُسمى
الصنين، كما جاء خبرهُ على لسان الشاعر الأصمعي إذ قال لبعض البغداديين :
ليت شعري متى تخبد بي الناقة بين العذيب فالصنين
محقباً زكرة وخبزاً رقاقاً وحباقى وقطعة من نون
وقد وردَ ذكرهُ في فتح العراق إذ إن العرب المسلمين قد غزوا المكان في عام 14 هجرية، وأغاروا على الفرس يقود سريتهم زهرة بن الحوية، إذ وجدَ المسلمون في العذيب، رماحاً ونشاباً واسفاطاً قُرب الصنين، وغنموا أمولاً
وأسروا عدداً من الرجال والنساء، وكان هذا في فتوح سعد بن أبي وقاص، ويظهر من أخبار الفتوح كذلك إن نهر السليحين كان يسقي هذا القصر ومزارعهُ .
وحول بقايا آثارأطلال هذا القصر، هناك منطقة واسعة تُعرف اليوم بالصنين، نسبةً إلى هذا الصُرح التأريخي، ومن الجانب الإداري حالياً، توجد قرية مشهورة عامرة تُسمى قرية الصنين، وهي إحدى قرى ناحية الحيرة التابعة لقضاء المناذرة المرتبطة بمحافظة النجف الأشرف، وبقيَّ قصر الصنين قائماً فيها إلى العصر العباسي، ويطلُق أهالي المنطقة على بقايا القصر الآن أسم (الطرمة) .
وهذا المعلم والصُرح وما حولهُ من شواخص تأريخية وآثارية مهمة تأريخياً، بقيتّ تُصارع الطبيعة من أجل البقاء فهي بحاجة إلى الصيانة والترميم، ولحفظ هذا التُراث العظيم .
من مفاخر آثار العرب
إن السدير القصر لا تزال آثاره باقية حتى الآن على الرغم من أن آثاره اندثرت بمرور الزمن وتأثير الطبيعة، وتبلغ مساحته سبعة دونمات، لم يبق منها إلا آثاراً غمرتها الرمال، فأصبحت بشكل ربوة من الأرض، والناس يتحدثون عنها، وهي من مفاخر اثار العرب القدماء، وتقع في قرية سيد حمزة، في الجهة الجنوبية الشرقية من النجف وبمسافة تقارب 15 كيلومتراً، وعلى مقربة من مدينة الكوفة .