جسر جديد بين العراق وأوزبكستان
وصول أول مجموعة سياحية إلى طشقند
طشقند - أحمد جاسم الزبيدي
حين تهبط أول طائرة تحمل مجموعة سياحية عراقية إلى أوزبكستان، فإن الحدث لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رحلة سياحية عابرة، بل هو مؤشر على تحولات أعمق تشهدها العلاقات بين البلدين، وانتقالها من مرحلة التعارف الدبلوماسي المحدود إلى مرحلة التواصل الشعبي والاقتصادي والثقافي المباشر.
لقد عانى العراق وأوزبكستان لعقود طويلة من ضعف التواصل المباشر رغم الروابط الحضارية والدينية والتاريخية التي تجمع الشعبين. فالعراقي الذي يزور سمرقند أو بخارى لا يشعر بأنه غريب عن المكان، بل يجد نفسه أمام صفحات حية من تاريخ الحضارة الإسلامية التي ساهم علماء العراق وآسيا الوسطى في بنائها وصياغة معالمها.
سياسة انفتاحية
إن وصول أول مجموعة سياحية عراقية منظمة إلى أوزبكستان يحمل دلالات تتجاوز الجانب السياحي، لأنه يعكس نجاح السياسة الانفتاحية التي تنتهجها أوزبكستان الجديدة بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف، والتي جعلت من البلاد وجهة جاذبة للاستثمار والتجارة والسياحة في آن واحد. كما يعكس رغبة عراقية متزايدة في اكتشاف أسواق ووجهات جديدة بعيداً عن المسارات التقليدية للسفر والسياحة.
والحقيقة أن السياحة لا تنمو في الفراغ، بل تأتي عادة نتيجة لتطور العلاقات الاقتصادية والتجارية. فخلال العامين الماضيين شهدت العلاقات العراقية الأوزبكية نشاطاً ملحوظاً من خلال الزيارات المتبادلة والمنتديات الاقتصادية والاستثمارية، وكان أبرزها مشاركة وفود عراقية واسعة في منتدى طشقند الدولي للاستثمار، إلى جانب تأسيس مجلس أعمال مشترك بين الجانبين وفتح آفاق جديدة للتعاون التجاري والاستثماري. كما ناقش الجانبان تعزيز التعاون السياحي وزيادة تدفق السياح وإمكانية إطلاق رحلات جوية مباشرة بين بغداد وطشقند، وهو ما من شأنه تسهيل حركة رجال الأعمال والسياح على حد سواء. ومن المعروف أن المستثمر أو رجل الأعمال يكون غالباً أول سفير غير رسمي لبلده، فحين يزور دولة ما ويكتشف فرصها الاقتصادية واستقرارها وخدماتها، فإنه ينقل هذه الصورة إلى محيطه الاجتماعي والعائلي، لتتحول الزيارة التجارية إلى دعاية سياحية مجانية. وهذا ما بدأ يحدث بالفعل بين العراق وأوزبكستان.
وتدرك السلطات الأوزبكية أن السوق العراقية تمتلك إمكانات كبيرة في مجال السياحة الدينية والثقافية والعائلية، لذلك شهدت الأشهر الأخيرة لقاءات رسمية بين مسؤولي السياحة في البلدين، ركزت على تطوير برامج مشتركة والتعاون بين شركات السفر والسياحة وزيادة التبادل السياحي. كما جرى التأكيد على أهمية الترويج المتبادل للمواقع السياحية والتراثية في كلا البلدين.
ومن جهة أخرى، تمتلك أوزبكستان عناصر جذب قد لا تتوافر مجتمعة في كثير من الوجهات الأخرى؛ فهي تجمع بين الأمن والاستقرار والتاريخ الإسلامي العريق والطبيعة الجميلة والبنية التحتية الحديثة والأسعار المناسبة. ففي سمرقند يقف السائح أمام روائع العمارة الإسلامية، وفي بخارى يتجول بين المدارس والخانات القديمة، أما طشقند فتقدم نموذجاً لمدينة حديثة تجمع بين الأصالة والتطور.
وجهات سياحية
ولا يخفى أن العراقيين، بعد سنوات طويلة من الظروف الصعبة، باتوا يبحثون عن وجهات سياحية توفر الراحة والأمان والقرب الثقافي. ومن هنا تبدو أوزبكستان مرشحة لتكون واحدة من أهم الوجهات الجديدة للسائح العراقي خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا ما تم تسيير رحلات جوية مباشرة وتوسيع التعاون بين شركات السياحة في البلدين.
إن وصول أول مجموعة سياحية عراقية إلى أوزبكستان ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالسياحة ليست مجرد حركة سفر، بل هي صناعة للثقة وبناء للجسور بين الشعوب. وإذا كانت التجارة تفتح الأبواب بين الدول، فإن السياحة تجعل هذه الأبواب مفتوحة على الدوام.
ولعل أجمل ما في هذا الحدث أنه يبرهن على أن العلاقات بين العراق وأوزبكستان لم تعد تقتصر على الاتفاقيات الرسمية واللقاءات الدبلوماسية، بل بدأت تنتقل إلى مستوى العلاقات الإنسانية المباشرة، وهي المرحلة الأكثر رسوخاً واستدامة في أي علاقة بين شعبين. ومن هنا يمكن القول إن السائح العراقي الذي وصل اليوم إلى طشقند يحمل معه أكثر من حقيبة سفر؛ إنه يحمل رسالة صداقة جديدة بين بلدين تجمعهما ذاكرة التاريخ وتطلعات المستقبل.