الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ترفُ الأولويات

بواسطة azzaman

ترفُ الأولويات

العلاء صلاح عادل

 

حين يصل شعب ما إلى مرحلة يناقش فيها تغيير نشيده الوطني، يفترض أن يكون قد قطع شوطًا معقولًا في بناء الدولة، وحقق قدرًا من الاستقرار والخدمات والعدالة وسيادة القانون والأمان والحريات، حتى تصبح القضايا الرمزية جزءًا طبيعيًا من نقاشه العام، لكن المفارقة تبدو قاسية حين يحدث ذلك في بلد مثل العراق، حيث ما يزال المواطن يطارد أبسط مقومات الحياة الكريمة، من كهرباء مستقرة ومياه صالحة وخدمات صحية وتعليم جيد وفرص عمل وسكن وأمان وقانون عادل، ثم يجد نفسه فجأة أمام نقاش بشأن تغيير النشيد الوطني، وكأن مشكلتنا كانت طوال السنوات الماضية في الكلمات واللحن لا في واقع الدولة. المشكلة ليست في تغيير النشيد من حيث المبدأ، فكل رمز وطني يمكن أن يكون موضع مراجعة ونقاش، وإنما المشكلة في اختلال سلّم الأولويات؛ فأي نشيد جديد سيزيد ساعات تجهيز الكهرباء؟ وأي لحن سيمنح الخريج فرصة عمل؟ وأي كلمات ستصلح مستشفى أو مدرسة أو شارعًا؟ وهل ستتحقق العدالة بمجرد أن نحفظ أبياتًا جديدة ونرددها في المناسبات الرسمية؟ إن الشعوب التي تنشغل بتفاصيل رموزها بعد أن تحسم ملفات الحياة الأساسية يمكن فهم ترفها الثقافي والسياسي، أما أن يعيش المواطن وسط أزمات متراكمة ثم يُطلب منه أن ينشغل بتغيير النشيد، فهذا ترف في غير أوانه، بل ترف بغباء الأولويات. العراق لا يعاني نقصًا في الكلمات الوطنية ولا في القصائد ولا في الشعارات، وإنما يعاني فجوة كبيرة بين ما تقوله الشعارات وما يعيشه الإنسان يوميًا. الوطنية لا تُقاس بمدى جمال النشيد، بل بما يشعر به المواطن عندما يدخل مستشفى حكوميًا، أو يراجع دائرة، أو يبحث عن وظيفة، أو يطالب بحقه، أو يقف أمام القانون؛ فهناك تحديدًا يكتشف الإنسان القيمة الحقيقية لوطنه ومؤسساته. النشيد لا يصنع دولة ناجحة، بل الدولة الناجحة هي التي تمنح نشيدها الهيبة والمعنى، والعلم لا يمنح المؤسسات احترامها، بل المؤسسات العادلة هي التي تجعل المواطن ينظر إلى العلم باعتزاز. لذلك فإن العراقي اليوم لا يحتاج أولًا إلى كلمات جديدة يرددها، بل إلى واقع جديد يجعله يؤمن بالكلمات التي يرددها. أصلحوا الكهرباء والماء والتعليم والصحة، وفروا فرص العمل، طبقوا القانون على الجميع، حاربوا الفساد، احفظوا كرامة المواطن، وابنوا دولة يشعر العراقي بأنها دولته فعلًا، وبعد ذلك ناقشوا النشيد ولحنه وكلماته كما تشاؤون. أما أن نترك كل هذه الأزمات جانبًا وننشغل بالبحث عن نشيد جديد، فنحن لا نغير الوطن، بل نغير الموسيقى المصاحبة لأزماته. العراق لا تنقصه الأناشيد، بل تنقصه دولة تجعل أبناءه يغنون لوطنهم وهم يشعرون فعلًا بمعنى الوطن؛ لذلك، قبل أن نسأل: ما النشيد الذي نريد أن نردده؟ علينا أن نسأل السؤال الأكثر أهمية: متى نغير الواقع الذي سيُعزف فيه هذا النشيد؟


مشاهدات 28
الكاتب العلاء صلاح عادل
أضيف 2026/09/07 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 12:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 36 الشهر 11910 الكلي 16544430
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير