الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سامي محمد..  فلسفة الجسد المظلوم والبرونز الثائر

بواسطة azzaman

سامي محمد..  فلسفة الجسد المظلوم والبرونز الثائر

بغداد - علي الدليمي

ودعت الحركة التشكيلية العربية، النحات الكويتي سامي محمد، بعد مسيرة طويلة في مجال الفن والإبداع المتميز، الذي أثبت حضوره من خلال المعارض والمحافل في أرجاء الوطن العربي والعالم. رحيل النحات سامي لا يمثل مجرد غياب لقامة تشكيلية عربية، بل هو تحول أخير في تجربة إنسانية وبصرية جعلت من البرونز مادة للصرخة، ومن الحجر صدى للوجع الإنساني المقيد.  إن المتأمل في مدونته النحتية الممتدة لعدة عقود يدرك فوراً أننا لسنا أمام صانع كتل جمالية ساكنة، بل أمام فيلسوف تشريحي يصوغ فلسفة الوجود والعذاب والتحرر بأسلوب تعبيري درامي بالغ القسوة والجمال. في مجمل أعماله، وخاصة تلك البرونزيات التعبيرية الشهيرة، تتجلى بصرية متفردة تقوم على صراع أزلي بين الجسد البشري وبين الهياكل الهندسيّة الصلبة، حيث ينحبس الإنسان داخل المكعبات، أو ينسحق بين الأعمدة المقطوعة، أو يلتوي بحثاً عن ثقب في جدار الصمت.

لم يكن سامي محمد ينحت جسداً عادياً، بل كان ينحت "الحالة الإنسانية" في أقصى درجات توترها، العضلات المقتدّة، والأوردة النافرة، والوجوه المنقوش عليها ألم التكبيل والتقييد، وكأن البرونز تحت يديه ينبض بعرق الخوف ورغبة الفكاك. تكتسب الحركات التعبيرية في منحوتاته قوة تراجيدية استثنائية من خلال حوار الكتلة والفراغ، حيث تتجاوز الأيدي الممتدة نحو الفضاء - كما ينبثق كف من شق كتلة صماء أو من خلف عمود هندسي قاسٍ - سياقها التشريحي المباشر لتتحول إلى رمزيّة بصرية للنداء، والرغبة الأزلية في كسر القيد والتطلع إلى الفكاك.

إن الاختزال السوريالي والنزعة التعبيرية الملحمية لديه يجعلان الأشكال الهندسية المحيطة بالجسد تمثيلاً للقيود الاجتماعية والسياسية والنفسية التي تحاصر الكائن البشري، بينما يمثل الجسد ذاته الفعل المقاوم، الثائر، والمشتعل بالتحدي حتى في لحظات انكساره المأساوي. كذلك تتجلى فرادة تجربة محمد في ذلك المزج المدهش بين صرامة التكوين المعماري وحسية الطين والبرونز، فالكتلة النحتية تتنفس بالتوتر التعبيري الذي يذكرنا بفلسفة الفن الوجودي، حيث ينصهر التعبير القومي والإنساني ليغدو صوتاً لكل المقهورين في المعمورة.  إن رحيل هذا المعلم يترك فراغاً شاهقاً في حركة النحت العربي المعاصر، لكن أعماله الخالدة ستظل شواهد برونزية صامتة، تصرح في وجه الزمن بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يكسر الحجر ليُحرر روح الإنسان. ولد الفنان سامي محمد أحمد الصالح في الكويت عام 1943 ودرس النحت في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1970 وحصل على دبلوم تقديري من (كان سيرلامير) في فرنسا عام 1970 وهو عضو مؤسس للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967.


مشاهدات 50
أضيف 2026/08/17 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/08/18 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 19381 الكلي 16109085
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير