خلي نسولف.. قبل أن ترفع الرأس عليك التأكد من إتصاله بالجسد
شوقي كريم حسن
**البعض يكلّف الدولة المنهكة أقتصادياً، والمسروقة من الفك إلى الفك، مبالغ طائلة من أجل مهرجان، أو أحتفاء، أو عرض مسرحي، أو رحلة سياحية باسم الثقافة والفن. وحين يعود حاملاً شهادة تقدير مطبوعة على ورق لامع، تدق الطبول، وتقام الخطب، وتنتفخ الصدور، ويُعلن أمام الجموع أن هذا الفعل الجبار قد “رفع رأس العراق”.
ولا أدري كيف رُفع هذا الرأس، وأمام من رُفع، ولأي سبب ظلّ منحنياً طوال هذه السنين حتى صار رفعه مناسبة وطنية تستحق التصفيق.صرنا أمة تعاني من عقدة الرقبة، لا همّ لها إلا التأكد من أن الرأس ما زال منتصباً، بينما الجسد كله غارق في الحفر، والقدم حافية، والمعدة خاوية،والروح مشردة تبحث عن وطن.يقولون إن العراق رفع رأسه في مهرجان للشعر، بينما الكهرباء تخفض رؤوس الناس في تموز. ويقولون إن العراق رفع رأسه في معرض للرسم، بينما المواطن يرفع يديه أمام دائرة حكومية متوسلاً معاملة لا تموت على مكتب موظف. ويقولون إن العراق رفع رأسه بجائزة هنا، أو ميدالية هناك، وكأن الرؤوس تقاس بعدد الصور التذكارية، لا بعدد المدارس التي لا تسقط على تلاميذها، ولا بعدد المستشفيات التي لا يخرج منها المريض أكثر مرضاً.والأطرف من كل ذلك، أن الذين يتحدثون باسم العراق لا يتفقون حتى على شكل العراق. كل واحد يحمل وطناً خاصاً به، وعَلَماً خاصاً به، وحقيقة خاصة به، ثم يخرج ليحدثنا عن الكبرياء الوطني.
رفع الراس
أي رأس هذا الذي يرفعونه كل يوم؟
رأس العراق، المسكين، أصابه الدوار من كثرة الرفع. كل أسبوع يرفعونه في مناسبة، ثم يتركونه يسقط وحيداً في زحام الفساد، وركام الشعارات، وصفوف العاطلين، وضجيج الخطب التي تشبه نشرات الأحوال الجوية؛ كثيرة، ولا تغيّر شيئاً.ربما تعب العراق من رفع الرأس.ربما يحتاج، ولو لمرة واحدة، إلى من يرفع عنه هذا الحمل الثقيل المسمى “الإنجازات التاريخية”، ويمنحه شيئاً أكثر تواضعاً وأشد صعوبة:قليلاً من الأمان،وقليلاً من الكرامة،وقليلاً من الصمت…
فالرؤوس، مهما ارتفعت، لا تستطيع وحدها أخفاء الجثة.لكننا أمة مولعة بالمرايا.يكفي أن يلتقط أحدهم صورة أمام لافتة أجنبية، أو يصافح موظفاً لا يعرف أسمه، أو يحصل على درع تذكاري لا يصلح حتى لإسناد كتاب، حتى تبدأ مواكب التهاني، وتكتب البيانات، وتتحول الواقعة إلى فتح مبين، وكأننا أستعدنا الأندلس، لا عدنا بحقيبة مليئة بالمنشورات السياحية.
ولأن الكوميديا السوداء لا تعرف الرحمة، فقد أصبح لكل شيء مهرجان؛ مهرجان للفرح في بلاد مكتئبة، ومهرجان للقراءة في بلد لا يجد فيه الطالب كتاباً، ومهرجان للورود على أرصفة تتكاثر فيها النفايات أسرع من الأزهار، ومهرجان للتسامح يتعارك المدعوون فيه على المقاعد الأمامية. بل إن بعضهم لا يكتفي بصناعة الإنجاز، بل يصنع التصفيق أيضاً.ترى القاعة نصف فارغة، لكن التصفيق يأتيك مدوياً كأنه صادر من جماهير كأس العالم. وحين تقترب من الحقيقة تكتشف أن الموظفين أُجبروا على الحضور، وأن الطلبة جاؤوا هرباً من الحصة الأخيرة، وأن المصور وحده أكثر حماساً من الجميع، لأنه يعرف أن الصورة هي الشيء الوحيد الذي يبقى بعد أن يذوب كل شيء.نحن لا نعاني من نقص الإنجازات، بل من فرط الاحتفال بها.نحتفل بالحجر الأساس أكثر مما نحتفل بالمبنى بعد اكتماله.
وليمة فاخرة
نحتفل بالمشروع قبل أن يولد.
ونقيم التأبين قبل الوفاة، تحسباً لأي مفاجأة.أما المواطن، هذا الكائن الذي يدفع ثمن كل هذه الأعياد، فقد أصبح يشبه رجلاً دُعي إلى وليمة فاخرة، ثم اكتشف أنه الطبق الرئيسي.وحين يجرؤ أحدهم على السؤال:
لماذا؟
كيف؟
وبأي فائدة؟
ينهال عليه الحراس الرسميون للبهجة الوطنية، ويتهمونه بأنه محبط، وعدمي، وعدو للنجاح، وربما عميل لإحدى المجرات البعيدة.في جمهورية الشعارات، لا يحق لك أن تسأل عن الخبز إذا كانت الفرقة الموسيقية تعزف.ولا يحق لك أن تتحدث عن الفقر إذا كانت الألعاب النارية تزين السماء.ولا يجوز لك أن تشكو من الخراب ما دام هناك من يرفع الرأس كل أسبوع، حتى صار العراق، من كثرة ما رفعوا رأسه، يبدو كرجل أُصيب بتشنج دائم في عنقه، بينما قلبه، في مكان ما، يهمس بصوت خافت:أيها السادة…اتركوا رأسي قليلاً…وابحثوا عن روحي.وفي نهاية كل احتفال، تنطفئ الأضواء، وتُطوى اللافتات، ويعود الخطباء إلى بيوتهم، وتعود الكاميرات إلى حقائبها، ويعود المواطن إلى انقطاع الكهرباء، وإلى طوابير الانتظار، وإلى ذلك السؤال القديم الذي لم يجد من يكرمه بدرع أو شهادة تقدير:متى تبدأ الحياة؟
فالأوطان، يا سادة، لا تُقاس بعدد المهرجانات، ولا بطول الخطب، ولا بكمية التصفيق، ولا بعدد المرات التي رفعنا فيها رؤوسنا أمام الآخرين.الأوطان تُقاس بعدد الذين لا يخافون من الغد، وعدد الذين ينامون مطمئنين، وعدد الذين لا يضطرون إلى الهجرة لكي ينجوا بأحلامهم.أما نحن، فقد أتقنا فناً نادراً؛أن نضع الأوسمة على صدر السفينة وهي تغرق،وأن نختلف على لون الستائر بينما البيت يحترق،وأن نرفع الرأس عالياً…حتى لا ترى العيون الخراب الممتد تحت الأقدام.ويأتي يوم، ربما بعد كل هذا الضجيج، يكتشف الناس أن الرأس لم يكن بحاجة إلى من يرفعه…بل بحاجة إلى وطن، كي لا يظل معلقاً في الهواء، يبحث منذ عقود عن جسد.