استهتار في وضح النهار.. الفساد في العراق أنموذجًا
جبار فريح شريده
لم يعد الفساد في العراق قضية تُناقش خلف الأبواب المغلقة، ولا ظاهرة عابرة يمكن اختزالها في موظف مرتشٍ أو مسؤول استغل منصبه. لقد أصبح الفساد، في كثير من صوره، مشهدًا يوميًا يراه المواطن في وضح النهار؛ في دائرة حكومية، وفي مشروع متعثر، وفي عقد لا يُعرف أين ذهبت أمواله، وفي خدمة يفترض أن تكون حقًا للمواطن لكنها تتحول إلى منفعة تُشترى بالواسطة أو المال.
ولعل أخطر ما في الفساد ليس الأموال التي تُسرق فحسب، بل حالة الاستهتار التي تصاحبه؛ حين يشعر الفاسد أن القانون لن يطاله، وحين يعتاد المواطن رؤية الخطأ دون أن يتوقع محاسبة، وحين تتحول المخالفة من فعل يستوجب الخجل والعقوبة إلى ممارسة يجري الحديث عنها وكأنها أمر طبيعي.
العراق ليس بلدًا فقيرًا بالموارد. على العكس، يمتلك ثروات وإمكانات كبيرة، لكن المشكلة تكمن في قدرة المؤسسات على إدارة هذه الموارد بعدالة وكفاءة. وفي أحدث مؤشر لمدركات الفساد، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في شباط/فبراير 2026، حصل العراق على 28 من 100 وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. ورغم أن الدرجة شهدت تحسنًا مقارنة بالعام السابق، فإنها تظل تعكس حجم التحدي الذي يواجهه البلد.
إن الفساد لا يظهر دائمًا بصورة سرقة مباشرة للمال العام. قد يكون في تعيين شخص غير مؤهل لأنه يمتلك واسطة، أو إحالة مشروع إلى جهة لا تستحقه، أو تعطيل معاملة المواطن حتى يضطر إلى دفع المال، أو التغاضي عن مخالفة لأن صاحبها يتمتع بالنفوذ. وهنا يصبح الفساد أخطر من مجرد جريمة مالية؛ لأنه يبدأ بتقويض فكرة تكافؤ الفرص، ويجعل المواطن يشعر بأن القانون لا يعمل بالطريقة نفسها على الجميع.
والأخطر من ذلك أن الفساد حين يستمر طويلًا يتحول إلى ثقافة. يصبح السؤال ليس: «هل هذا صحيح أم خطأ؟»، بل: «كم أدفع لكي تنتهي معاملتي؟ ومن أعرف لكي أحصل على الوظيفة؟ ومن أتصل به لكي أتجاوز القانون؟». وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح إصلاح القوانين وحده غير كافٍ؛ لأن المشكلة تكون قد تسللت إلى السلوك العام وإلى علاقة المواطن بالدولة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى جلد دائم للدولة أو المجتمع. فقد اتخذ العراق خلال السنوات الأخيرة خطوات في مجال الرقمنة وتبسيط الإجراءات ومكافحة الفساد، كما أعلنت هيئة النزاهة أن ارتفاع درجة العراق في مؤشر 2025 يمثل تقدمًا، وربطت ذلك بجملة من الإجراءات الرقابية والقضائية والتحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين والاستراتيجيات التي تُعلن، وإنما بمدى شعور المواطن بأن القانون يحميه، وأن المسؤول يُحاسب، وأن المال العام له حرمة، وأن الوظيفة العامة ليست غنيمة، وأن النزاهة ليست سببًا للخسارة في بلد يفترض أن تكون فيه الكفاءة معيارًا للتقدم.
إن محاربة الفساد تحتاج إلى مؤسسات رقابية قوية ومستقلة، وقضاء قادر على تطبيق القانون بعيدًا عن الضغوط، وشفافية حقيقية في العقود والإنفاق العام، وحماية لمن يكشف الفساد، إضافة إلى توسيع الخدمات الإلكترونية التي تقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف. كما أن المجتمع المدني والإعلام والمواطنين أنفسهم لهم دور أساسي في تحويل مكافحة الفساد من شعار إلى ثقافة عامة. وتؤكد منظمة الشفافية الدولية أن هشاشة المؤسسات وضعف آليات المساءلة من أبرز العوامل التي تعرقل مكافحة الفساد في المنطقة.
إن العراق لا يحتاج إلى معجزة لكي يتقدم؛ يحتاج إلى دولة تحترم القانون، ومؤسسات تؤمن بأن المال العام ليس مالًا بلا صاحب، ومسؤول يدرك أن المنصب تكليف وليس امتيازًا، ومواطن يرفض أن يكون طرفًا في منظومة الفساد حتى عندما تكون الطريق الأسهل أمامه.
فالفساد لا يسرق المال فقط؛ إنه يسرق الوقت، والفرص، والثقة، ومستقبل الأجيال. وكل مشروع وهمي يعني طريقًا لم يُبنَ، وكل رشوة تعني حقًا انتُزع من صاحبه، وكل تعيين بالمحسوبية يعني فرصة ضاعت من شخص أكثر كفاءة.
ولهذا فإن عنوان المرحلة ينبغي ألا يكون مجرد «مكافحة الفساد»، بل «إنهاء الاستهتار بالقانون». فحين يصبح القانون حاضرًا في وضح النهار، ويصبح المسؤول والفاسد والمواطن متساوين أمامه، عندها فقط يمكن أن يبدأ العراق باستعادة الثقة التي فقدها الناس في مؤسساته.
إن معركة العراق الحقيقية ليست مع الفقر أو نقص الموارد وحدهما، بل مع كل ممارسة تجعل الفساد أمرًا عاديًا، وتجعل النزاهة استثناءً. وما دام الاستهتار يُمارس في وضح النهار، فإن مواجهته يجب أيضًا أن تكون في وضح النهار: بقانون واضح، ومحاسبة عادلة، وشفافية لا تستثني أحدًا، وإرادة سياسية لا تتراجع أمام أصحاب النفوذ.
فالعراق الذي يستحقه أبناؤه ليس عراقًا تنقصه الثروات، وإنما عراقٌ لا تُهدر ثرواته، ولا تُباع حقوق مواطنيه، ولا يكون فيه الفساد طريقًا للنفوذ، ولا النزاهة طريقًا إلى التهميش.