الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من الملاعب إلى السياسة.. إنجاز المنتخب الإسباني مرآة تحولات الرأي العالمي تجاه إسرائيل

بواسطة azzaman

من الملاعب إلى السياسة.. إنجاز المنتخب الإسباني مرآة تحولات الرأي العالمي تجاه إسرائيل

 

بغداد- عبد القادر حداد

في عالمٍ لم تعد فيه السياسة حبيسة المؤتمرات الدولية، ولا الرياضة أسيرة المستطيل الأخضر، أصبحت الأحداث الكبرى تُقرأ بوصفها مؤشرات على تحولات أعمق في وعي المجتمعات واتجاهات الرأي العام. فما نشهده اليوم لا يقتصر على منافسة بين منتخبات تسعى إلى التتويج، بل يمتد إلى فضاء رمزي تتداخل فيه السياسة والثقافة والإعلام والهوية، حتى بات من الصعب الفصل بين الإنجاز الرياضي وبين السياق السياسي الذي يحيط به .

ولعل الاحتفاء العالمي الواسع بإنجاز المنتخب الإسباني في تحقيق مونديال 2026, يطرح سؤالًا يتجاوز حدود كرة القدم نفسها: هل كان هذا الاحتفاء مجرد استجابة طبيعية لإنجاز رياضي كبير، أم أنه حمل في طياته دلالات سياسية تعكس التحولات التي يشهدها الرأي العام العالمي منذ اندلاع الحرب في غزة؟ لا يمكن تقديم إجابة قطعية عن هذا السؤال، كما لا يمكن اختزال مشاعر ملايين البشر في سبب واحد، لكن تجاهل البعد السياسي الذي يحيط بهذه الظاهرة سيكون تبسيطًا لواقع أكثر تعقيدًا .  فالسياسة لا تتحرك عبر القرارات الرسمية وحدها، وإنما عبر الرموز أيضًا. والدول، شاءت أم أبت، تتحول إلى رموز في الوعي الجمعي العالمي. فعندما تتخذ حكومة ما موقفًا واضحًا من قضية تستحوذ على اهتمام الرأي العام، فإن صورة الدولة لا تبقى محصورة في المجال الدبلوماسي، بل تمتد إلى الثقافة والفن والرياضة، لتصبح جزءًا من الانطباع العام الذي يحمله الناس عنها .

فصل الصورة

ومن هذا المنطلق، يصعب فصل الصورة التي اكتسبتها إسبانيا خلال العامين الماضيين عن مواقف حكومتها من الحرب في غزة. فقد تبنت حكومة بيدرو سانشيز خطابًا سياسيًا أكثر انتقادًا للحكومة الإسرائيلية من غالبية الحكومات الأوروبية، ودعت إلى وقف إطلاق النار، وشددت على احترام القانون الدولي الإنساني، واعترفت رسميًا بدولة فلسطين، كما دعمت المسارات القانونية الدولية المتعلقة بالتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالحرب. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه المواقف، فإنها أسهمت في ترسيخ صورة إسبانيا، لدى قطاع واسع من الرأي العام العالمي، باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية جرأة في انتقاد السياسات الإسرائيلية . وفي المقابل، شهدت العلاقات بين مدريد وتل أبيب توترًا سياسيًا غير مسبوق، تمثل في تبادل الاحتجاجات الدبلوماسية، واستدعاء السفراء، والانتقادات العلنية المتبادلة، ورفض إسرائيل للاعتراف الإسباني بدولة فلسطين، واتهام الحكومة الإسبانية بالانحياز إلى الفلسطينيين. ولم يعد الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى جزء من المشهد السياسي الدولي الذي تابعه الرأي العام العالمي بصورة يومية . وعلى الضفة الأخرى، برزت الأرجنتين في عهد الرئيس خافيير ميلي بوصفها واحدة من أقرب الحلفاء السياسيين لإسرائيل. فقد أعلن ميلي، منذ وصوله إلى السلطة، دعمه الواضح للحكومة الإسرائيلية، وأقام علاقة وثيقة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واتخذ سلسلة من المواقف السياسية التي عززت هذا التقارب. ومرة اخرى، لا يجعل ذلك المنتخب الأرجنتيني مسؤولًا عن خيارات السلطة السياسية، لكنه يؤثر، بدرجات متفاوتة، في الصورة الذهنية التي يربط بها بعض المتابعين الدولة التي يمثلها المنتخب . وهنا تبرز فكرة تستحق التأمل؛ فالمنتخبات الوطنية لا تمثل الحكومات، لكنها تمثل الدول، والدول لم تعد تُقرأ فقط من خلال تاريخها الرياضي، بل من خلال موقعها داخل السردية السياسية العالمية. لذلك، قد يجد بعض المشجعين أنفسهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، يتفاعلون مع الإنجاز الرياضي من خلال الصورة السياسية للدولة، لا من خلال كرة القدم وحدها .

ناحية فلسفية

ومن الناحية الفلسفية، لم تعد الرياضة فضاءً محايدًا كما كانت تُصوَّر في العقود الماضية. فالحياد الكامل يكاد يكون مستحيلًا في عالم تتشابك فيه الهويات والمواقف والقيم. لم تعد الجماهير تنظر إلى المنتخبات باعتبارها مجرد فرق رياضية، بل باعتبارها امتدادًا لصورة الدولة في لحظة تاريخية معينة، سواء كان هذا الإدراك دقيقًا أم لا. وهكذا تتحول المنافسة الرياضية إلى مساحة يعبر فيها الأفراد عن تصوراتهم للعالم، وليس فقط عن تفضيلاتهم الكروية.

لكن من الخطأ أيضًا القفز إلى استنتاج أن كل من احتفى بإسبانيا فعل ذلك بدافع سياسي، أو أن كل من شجع الأرجنتين كان مؤيدًا لإسرائيل. فالرياضة تحتفظ بجاذبيتها الخاصة، والإنجاز الرياضي يبقى سببًا مشروعًا للاحتفاء. إلا أن ما يمكن ملاحظته هو أن الحرب في غزة أعادت تشكيل صورة إسرائيل في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وأعادت في الوقت نفسه تشكيل صورة الدول التي اتخذت مواقف واضحة من هذه الحرب، سواء كانت مؤيدة للحكومة الإسرائيلية أو منتقدة لها. ومن ثم، فإن التفاعل مع الإنجازات الرياضية قد يتأثر، ولو جزئيًا، بهذه الصور الذهنية الجديدة . إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن فاز في مباراة لكرة القدم، وإنما بمن ينجح في تشكيل الرواية التي يصدقها الرأي العام العالمي. ففي القرن الحادي والعشرين، أصبحت الرواية قوة، وأصبحت الصورة نفوذًا، وأصبح الرأي العام لاعبًا دوليًا لا يقل تأثيرًا عن الحكومات. ومن هنا، فإن الاحتفاء بمنتخب، أو الفتور تجاه آخر، قد يكون في بعض الأحيان انعكاسًا لتحولات أعمق في المزاج العالمي، أكثر مما يكون مجرد احتفال بنتيجة رياضية. وليس المقصود من ذلك الجزم بسبب واحد أو تفسير واحد، بل الإشارة إلى أن الرياضة، مثلها مثل الثقافة والفن، أصبحت مرآة تعكس التحولات السياسية والأخلاقية التي يعيشها العالم، حتى وإن لم تكن هي من يصنعها.

 

 


مشاهدات 31
أضيف 2026/07/21 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/07/22 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 23348 الكلي 15928475
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير