ستار لقمان .. التراث وذاكرة المدينة
عطاء ثر يتراكم على سطوح اللوحات منذ الستينيات
بغداد - علي الدليمي
نظمت اللجنة الثقافية في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين السبت الماضي احتفائية بعنوان: (ستار لقمان.. التراث وذاكرة المدينة) في جلسة لم تكن تكريماً تقليدياً، بل محاولة لفك شفرة تجربة امتدت لأكثر من خمسة عقود، وبدأها صاحبها معلماً للرسم في المدارس الابتدائية، ثم منتسباً في المطابع، حيث تعلم الصبر المهني وعين الطباعة الدقيقة، واكتسب خبرة من احتكاكه بنخبة من الفنانين كانت زاداً له حتى اليوم.
قدم الجلسة الناقد جواد الزيدي، وافتتحها بعرض سريع لملامح المسيرتين الفنية والنقدية لكل من المحتفى به الفنان ستار لقمان والمحاضر الناقد جمال العتابي، قبل أن يفسح المجال للقراءة النقدية.
واستلم العتابي الحديث ليضع لقمان في السياق الأوسع للحركة التشكيلية العراقية، مؤكداً أن حضوره ليس طارئاً، بل امتداد طبيعي لعطاء ثر تراكم على سطوح لوحاته منذ الستينيات، ولد ستار لقمان في بغداد عام 1944، وتخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1967. ومنذ تلك السنوات الأولى اختار لنفسه طريقاً واضحاً: أن يكون ابن المدرسة «الجوادية» نسبة إلى جواد سليم، لا تقليداً حرفياً، بل تمسكاً بأبعادها الفكرية وبرؤيتها للفلكلور كمرتكز للحداثة. وفي عام 1969 كان أحد المؤسسين لـ «جماعة البداية» داخل جمعية التشكيليين، وهي الجماعة التي أعلنت تمردها على القوالب الكلاسيكية وبحثت عن لغة بصرية عراقية معاصرة تستند إلى الرمز الشعبي والميثولوجي، تلك البداية المبكرة وضعت ملامح مشروعه: بساطة التصميم، ووضوح البناء، ومعادلات متوازنة في الكتل والألوان الشرقية، مع إشارات خفيفة إلى المنمنمات الإسلامية وإلى مرجعيات الواسطي.
أقام معرضه الشخصي الأول عام 1977 على قاعة كولبنكيان، ثم غاب عن الفردي لعقدين قبل أن يعود بمعرضه الثاني على قاعة الإناء عام 1997. وفي عام 2009 قدم تجربته الثالثة في قاعة أكد، تلاها المعرض الرابع «إشراقات بغدادية» على قاعة حوار عام 2014. وفي 12 تموز 2017 عبر إلى عمان وافتتح معرضه الخامس في غاليري رؤى32 تحت عنوان «همسات الأفق»، وضم ثلاثين عملاً بالأكريلك على الكانفاس، بأحجام متفاوتة، استلهم فيها المساحات اللونية كحقول للتأمل لا للوصف.
موضوع حصري
ما يميز لقمان هو إصراره على جعل بغداد موضوعه الحصري. العيد، بائع الفلافل، البقال، المهن الشعبية، الأزياء المتنوعة، الشناشيل، القارب، الفانوس، الشمعة، البساط... حتى الحيوان عنده دلالة: الديك رمز للرجولة والسيطرة، والدجاجة على الضد. وهو لا يرسم هذه المفردات كما يراها، بل كما تتخزن في الذاكرة: امرأة، طفل، رجل، وجه منظور من الأمام، سجادة. كل شيء يقع عليه بصره يتحول إلى تصور خاص، وأحياناً يدخل البيت الشعري العربي إلى اللوحة فيصبح النص جزءاً من النسيج البصري.لوحاته تطلب قراءة بطيئة، في عمل واحد قد تجد قطة تتربص بطير بينما ينظر بائع الطيور إلى جهة أخرى، وفي الزاوية امرأة مستلقية، وفي زاوية مقابلة امرأة أخرى. هناك تناظر مستلهم من تقاليد المنمنمات، حيث تبدأ العين من اليمين كي لا يقلق القلب. وهناك طابع ميثولوجي في مشاهد لعب الأطفال، وكأن الشخوص كلها تنظر إلى الفنان نفسه. أحياناً يظهر «عنبر الورد» أو مثلث مركب تعبيرياً ليفتح المعنى على احتمالات عدة.
ومع بداية هذا العام احتضنت قاعة أكد للفنون معرضه الشخصي السابع «إطلالات الذاكرة»، وضم خمساً وعشرين لوحة خلاصة تجربة امتدت لأكثر من خمسين عاماً، هنا لم يعد لقمان يوثق المكان، بل يستحضره. يمكن متابعة ثلاثة خطوط في المعرض. الأول: ميثولوجيا الأهوار والجنوب. في لوحات تهيمن عليها درجات الفيروزي والترابي، يتحول المشحوف والمضيف إلى إشارات هندسية، والنساء بملابسهن الحمراء والبنفسجية يصرن بؤر ضوء وسط ضباب لوني يوحي باللانهاية.
الثاني: السرد بالغرافيك. بأقلام الفحم والأسود، يبني مشاهد مزدحمة بالتفاصيل: وجوه، قطط، آلات موسيقية، عيون واسعة مستلهمة من الفن السومري والبابلي، يقسم اللوحة إلى وحدات، كل وحدة قصة، والمجموع ذاكرة بغدادية شعبية. الثالث: التجريد التعبيري. طبقات لونية متراكمة بالذهبي والبنفسجي والبرتقالي، لا تقدم صورة واضحة بل «أثراً» للزمن، حيث يصبح ملمس السطح وضربة الفرشاة هما الحامل العاطفي.هذا التعدد التقني لم يلغ وحدة المشروع، ظل لقمان وفياً لمرتكزات «جماعة البداية»: البحث عن هوية بصرية عراقية خالصة بروح معاصرة... لم يغادر الواقع البغدادي، لكنه لم يحبسه في التقرير جعل منه مادة للرمز، وللحكاية، وللتأمل.على امتداد هذه السنوات شارك في معارض جماعية داخل العراق وخارجه منذ عام 1968، وكان حاضراً في معرض جماعة البداية الأول عام 1969، وله مشاركات في دائرة الفنون التشكيلية وفي فعاليات الجمعية ونقابة الفنانين. حاز جوائز وشهادات تقديرية، ومنحت له جائزة الإبداع من دائرة الفنون التشكيلية. وهو فنان متفرغ، وله مقتنيات في دول عدة، منها لوحة في متحف مدينة لهاريا بالمكسيك.
في الاحتفائية تحدث لقمان بهدوء عن بداياته، عن المدرسة والمطبعة، وعن كيف أن كل محطة كانت معيناً. لم يقدم نفسه كظاهرة، بل بصفته فنان مستمر. وهذا هو جوهر «ذاكرة المدينة» التي يتحدث عنها عنوان الاحتفاء. فذاكرة المدينة عنده ليست أرشيف صور، بل طريقة نظر.. أن ترى في الشناشيل هندسة، وفي البساط إيقاعاً، وفي وجه المرأة حارسة للزمن.
«إطلالات الذاكرة» كانت بذلك محاولة لترميم شظايا الزمن. يستخدم لقمان المشحوف كقارب للعبور من الواقع إلى الحلم، ويجعل من المرأة العراقية شاهدة على ما تبقى. لا يرسم ليشرح، بل ليعيدنا إلى لحظة أولى: لحظة وقوف أمام النهر، أو أمام باب قديم، أو أمام لون ما زال يحتفظ بحرارته.
وهكذا، من كولبنكيان 1977 إلى أكد 2026، ومن «همسات الأفق» في عمان إلى «إشراقات بغدادية» في بغداد، يظل ستار لقمان واحداً من الذين آمنوا أن التراث ليس متحفاً، وأن الذاكرة ليست حنيناً. هما أدوات عمل. يرسم بهما، ويعلم بهما، ويقاوم بهما فكرة أن الفن يجب أن يقطع مع أصله كي يكون جديداً.